الغلاف_result

متاهة الصحراء الكبرى – الفصل الثاني


عن السلسلة

يعلن العالم عبد القادر نوح أخيرا مفاجأته للعالم العربي، بالكشف عن مشروع فريد من نوعه، وغير مسبوق في العالم كله! حيث تمكن بعد أبحاث دامت لأكثر من ربع قرن، من دمج الاشارات العصبية والحركات الجسدية للانسان بنظام فائق الحساسية يمكنه من التقاط تلك الاشارات مهما كانت ضعيفة، وترجمتها إلى واقع مادي محسوس، باستخدام تفاعلات كيميائية معقدة، وتقنيات حديثة ومطورة.

وبالتعاون مع خبراء من شركات أجنبية وعالمية معروفة، أسس لبناء أكبر منطقة ترفيهية في العالم، تستهدف الاطفال والمراهقين العرب، واختار “الصحراء الكبرى” مكانا لها. فكيف سيكون اثر ذلك على الجميع؟

تأليف: زينب جلال
رسم و تصميم الشعار: سوسي ميليسة

التصنيف : خيال علمي/ أكشن..

 

 

 

 


قد يهمّك: عالم مسن (ون شوت)

 

 

 

 

 

 

__الغلاف _

عالم اخر – الفصل الثاني


عن السلسلة

مؤلف مغمور يسعى للعالمية، غير أنه يشعر دوما ان قصصه لا تناسب سوى الأطفال فيقرر التخلص منها، دون أن يدرى أنها ستقود أطفالا لعالم آخر على ظهر “خيال”

تأليف: زينب جلال
رسم: لونا

التصنيف : مغامرات، غموض، درامي.

 

 

 

 

 


قد يهمّك: عالم مسن (ون شوت)

 

 

 

 

 

 

cover chapter 4

تراب جهنّم – الفصل الرابع


عن السلسلة

في الوقت الذي يستريح فيه العرب والغربيين من الحروب الضارية التي دارت بينهم؛ تصل سفينة غامضة بلا ركاب إلي ميناء ناباريق تحمل علي سطحها مرض سيغير سطح الأرض ككل.

تأليف ورسم: أندرو هنري
تحبير وتنسيق وتونز: سارا فيكتور

التصنيف: رعب، فانتازيا، أكشن.

 

 

 

 


قد يهمّك: عالم مسن (ون شوت)

 

 

 

 

 

 

مدرسة الفروسية – الفصل السادس (زوبعة)


عن السلسلة

في عصر الانقسامات والحروب، تناضل مدرسة الفروسية لإنشاء جيل من القادة الأكفّاء. ينضم علاء للمدرسة بعد مأساة دامية مر بها، ونعيش معه طريقه لاستعادة مجد أمته الضائع.

تأليف: زينب جلال و محمد نجيب
رسم: رشا عبد الفتّاح و مصطفى كيوبي

التصنيف: تاريخي، درامي، فانتازيا.


قد يهمّك: “مدرسة الفروسية – مشروع حياة”

الغلاف

عالم مسن – الفصل السادس


عن السلسلة

يجد يعقوب نفسه امام مسؤولية رعاية رضيع سرا في عالم لا يوجد به سوى الكهول والمسنين، ماذا سيحدث لو علم الناس بذلك؟ وهل سينجح يعقوب في ابقاء الامر سرا؟ وكيف سيعتني بالرضيع في ظروف عالمه الصعبة؟…

تأليف: محمد نجيب
تدقيق: زينب جلال
رسم: أكيرا عبد الرحمن
تلوين واخراج: شو

التصنيف: خيال علمي، شريحة من الحياة، درامي، غموض.

 

 

 

 

 


قد يهمّك: عالم مسن (ون شوت)

 

 

 

 

 

 

الغلاف

المؤمن القوي – ون شوت (الحياة الطيبة)


عن السلسلة

“محمد” مدربٌ شاب، يفتتح مركزا للفنون القتالية، اطلق عليه اسم “المؤمن القوي”، ليكون أشبه بمدرسة تربوية مرشدة للفتية والناشئين، نحو السبيل القويم..

ومن هنا جاء اسم السلسلة؛ والتي ترافقون فيها بطلنا في مسيرته، من خلال قصص متنوعة، يواجه فيها مواقف مختلفة

ماذا ان تحول الحب من نعمة الى نقمة ولم يعد اكثر من ذكرى مؤلمة؟

قد تعصف بالانسان موجات من المشاعر والافكار التي تودي به الى الانهيار، فيظن أنه وحده حتى يتمنى الموت وتزين له نفسه اللجوء إلى الانتحار، ولا يدري أن وجوده في هذه الدنيا كلها- مثله مثل غيره- ما هو إلا اختبار.. والحياة قصيرة وبيده الاختيار.. “الحياة الطيبة”.. ون شوت قصيرة ضمن سلسلة “المؤمن القوي”، تسلط الضوء على قضية هامة، فلا تفوتوها..

تأليف: زينب جلال
رسم: أكيرا عبد الرحمن
النصوص: أحمد الهمالي وشو
الشعار: نور عمر
تصميم الغلاف: شو و يون

التصنيف: دراما، مغامرات، أكشن

*ملاحظة: أول ظهور لشخصية البطل “محمد” كان في قصة “الرجل العظيم”

يمكنكم قرائتها عبر الرابط التالي:

https://nebrasmangaka.com/2023/06/the-great-man


الغلاف

عالم مسن – الفصل الخامس


عن السلسلة

يجد يعقوب نفسه امام مسؤولية رعاية رضيع سرا في عالم لا يوجد به سوى الكهول والمسنين، ماذا سيحدث لو علم الناس بذلك؟ وهل سينجح يعقوب في ابقاء الامر سرا؟ وكيف سيعتني بالرضيع في ظروف عالمه الصعبة؟…

تأليف: محمد نجيب
تدقيق: زينب جلال
رسم: أكيرا عبد الرحمن
تلوين واخراج: شو

التصنيف: خيال علمي، شريحة من الحياة، درامي، غموض.

 

 

 

 

 

 


قد يهمّك: عالم مسن (ون شوت)

 

 

 

 

 

 

عالم مسن – الفصل الرابع


عن السلسلة

يجد يعقوب نفسه امام مسؤولية رعاية رضيع سرا في عالم لا يوجد به سوى الكهول والمسنين، ماذا سيحدث لو علم الناس بذلك؟ وهل سينجح يعقوب في ابقاء الامر سرا؟ وكيف سيعتني بالرضيع في ظروف عالمه الصعبة؟…

تأليف: محمد نجيب
تدقيق: زينب جلال
رسم: أكيرا عبد الرحمن
تلوين واخراج: شو

التصنيف: خيال علمي، شريحة من الحياة، درامي، غموض.

 

 

 

 

 

 


قد يهمّك: عالم مسن (ون شوت)

 

 

 

 

 

 

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 57

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

ما أن أنهت نور تجهيز نفسها للزيارة المرتقبة؛ حتى بدأ التوتر يتسلل إليها، فهذه المرة الأولى التي ستقابل فيها هدى أخيراً، ولم تستطع إبعاد ذلك الكابوس عن مخيلتها، وشعرت بأنها على وشك الغرق في هواجسها من جديد، فأسرعت تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، محدثة نفسها بثقة:

– كما قالت الخالة نبيلة، الابتلاء لا يُسعى إليه ولا يُطلب، والأولى أن نسأل الله العافية، فالله قادر على إسعاد الجميع بحل من عنده سبحانه، لذا لن أسمح لهذه الوساوس بالسيطرة على تفكيري بعد الآن، فهي لا تجلب سوى الحزن، وهذا من الشيطان.. وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم..

ومع ذلك.. تمنت بشدة؛ لو تعثر هدى على زوج مناسب بأسرع وقت، بعيداً عن عامر! بل إنها تمادت بالتفكير، حتى فكرت في أخيها!! لو أنه لم يكن مرتبطاً؛ لرشحته لهدى بلا شك، حتى يرتاح بالها وتطمئن!! لكنها قاومت هذه الأفكار من جديد:

– الله أعلم بماهو الأفضل للجميع، فهو يخلق ما يشاء ويختار سبحانه، فيارب عافني واعف عني، ولا تحملني ما لا طاقة لي به، واكتب لنا الخير ورضّنا به..

وبسرعة، تناولت هاتفها واتصلت عبر الشبكة العنكبوتية بوالدتها، لعلها تزيح عنها ذلك القلق، فهي ليست أمها وحسب؛ بل صديقتها المقربة، وأكثر من تثق به في هذه الدنيا..

أجابت والدتها الاتصال، بعد بضع دقائق:

– سبحان الله كنتُ أفكر فيك قبل قليل، كيف هي أحوالك؟

فدمعت عينا نور، قبل أن تقول بنبرة مبتهجة:

– القلوب عند بعضها يا أمي، المهم دعواتك الطيبة، فاليوم كما تعلمين موعد زيارتنا لبيت أم جابر، والدة الطبيبة هدى التي تعمل مع عامر، الذين حدثتك عنهم..

ورغم أن نور لم تصارح أمها بحقيقة هواجسها، لكن قلب الأم لم يخفَ عليه استشعار ذلك منها، فطمأنتها بقولها:

– بإذن الله تكون الزيارة رائعة، فهذه فرصة لك لتكوين شبكة معارف جديدة في تلك البلاد، وكما أخبرتِني من حديث أم جابر، فهي تبدو سيدة طيبة ما شاء الله، إنني متفائلة بهم خيراً..

وقبل أن تضيف نور كلمة أخرى، رن هاتفها، فاستأذنت أمها قائلة:

– عن إذنك أمي، ها هي الخالة نبيلة تتصل..

فعلقت أمها:

– بنت حلال.. ردي عليها وها أنا ذا أنتظرك..

وما أن أجابت اتصالها وردت السلام، حتى جاءها صوت نبيلة:

– كنت أريد التأكيد على موعدنا اليوم، لا تتناولوا أي طعام قبل مجيئكم، فأنتم مدعوون على الغداء كما تعلمين، والسفرة جاهزة..

فابتسمت نور:

– أجل يا خالة، لم أنسَ بالطبع، وبمجرد عودة عامر سنأتي إليكم إن شاء الله..

فجاءها صوت نبيلة المندهش:

– ألم يعد بعد؟ قالت لي هدى أن اليوم هو نصف دوام فقط!

فردت نور:

– هذا صحيح، ولكنه أخبرني بأنه سيختم بعض الأوراق، لذا قد يتأخر قليلاً..

أسرعت نور تعاود الحديث مع أمها، التي كانت لا تزال تنتظر على الجانب الآخر من الجهاز:

– السلام عليكم أمي، كانت تريد التأكيد على الموعد وحسب..

فأجابتها أمها:

– يسّر الله أمركم، وصرف عنكم كل سوء يا حبيبتي.. لا تنسي الاتصال بي من عندها؛ حتى أشكرها بدوري أيضاً..

ثم استطردت وهي تذكّر ابنتها قائلة:

– أهم شيء لا تبالغي بالوصف والمدح والثناء أمام زوجك بعد نهاية الزيارة، وتذكري حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما نهى المرأة أن تصف المرأة لزوجها، فهذا أفضل لسلامة الجميع، فلا تكوني مثل بعض النساء الجاهلات، اللاتي لا يبالين بوصف النساء الأخريات أمام أزواجهن، فيفسدن قلوبهم ويجنين على أنفسهن بأيديهن، ثم يندمن ساعة لا ينفع الندم! فلا تغتري بنفسك، وتظني أنك مهما قلت أو فعلتِ، فهذا لن يؤثر فيك أو في زوجك، فأنتم بشر في النهاية، مهما بلغتم من الصلاح..

فطمأنتها نور وقد شعرت براحة كبيرة، بعد أن أزاحت عبئاً ثقيلاً عن كاهلها:

– جزاك الله خيرا لهذه النصائح القيمة يا أمي، وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك..

عندها استدركت أمها وقد تذكرت شيئاً:

– صديقتك سوسن، ماذا كان اسم والدها؟

فأجابتها نور باهتمام:

– كارم بهاء رجل الأعمال المعروف، هل حدث شيء؟

فقالت أمها:

– كنت أريد التأكد فقط، أنت تعلمين أنه ترشح لرئاسة الوزراء..

فأجابت نور:

– أجل، أعرف أنه كان المرشح الأول، فهل فاز؟

وبدل أن تسمع الإجابة عن سؤالها، سمعت سؤالاً آخر من أمها:

– ألم تتمكنِي من التواصل مع سوسن حتى الآن؟

فردت نور بالنفي:

– للأسف لا، فهاتفها لا يزال مغلقاً، ولم أجد طريقة أخرى للتواصل معها..

وهمّت نور بسؤالها عن كارم أكثر، لكن رنين هاتفها نبّهها إلى ضرورة الاستعجال، فقالت لأمها معتذرة:

– هذا عامر، لا شك أنه وصل.. عن إذنك أمي، يجب أن أنزل الآن حتى لا نتأخر..

فجاءها صوت أمها:

– استودعك الله يا حبيبتي.. في أمان الله..

**

ما كاد المجلس يستقر بنور، في الصالة الداخلية من بيت نبيلة- بعد أن أدخل والد هدى عامر إلى صالة الاستقبال الأمامية- حتى شعرت بارتياح كبير، بعد أن زال منها القلق نهائياً، إثر ذلك الاستقبال الحار الذي قابلتها به نبيلة، وابنتها الطبيبة هدى! ورغم أنها المرة الأولى التي تلتقي فيه نور بهدى، إلا أنها شعرت وكأنها تعرفها منذ زمن بعيد، فسرعان ما انسجمتا، ليأخذهما الحديث في شتى الشعاب، غير أن نبيلة أشارت لهما بتناول الغداء أولاً، حتى إذا ما فرغوا منه، رددت نور الدعاء:

– “أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده”، جزاكم الله خيرا..

وعندما حاولت المساهمة في رفع الأطباق مع هدى، ونقلها إلى المطبخ؛ أصرّت عليها نبيلة بالجلوس، ثم نادت ابنتها لتجلس وتغتنم الوقت مع نور، معلقة على ذلك بابتسامة لطيفة:

– لسنا مستعجلين على غسل الأطباق، فكما يقول المثل: “ساعة الحظ لا تفوتها”، وهذه فرصة نادرة لكما..

فجاءها صوت هدى من المطبخ:

– لا تقلقي يا أمي، بالطبع لن أفوت الفرصة، ها أنا قادمة..

فابتسمت نور، وأثنت على أصناف الأطعمة المقدمة، قائلة:

– يبدو أن وصفات الطعام في هذه البلاد لذيذة جداً..

فابتسمت نبيلة:

– يمكنك القول أن معظمها من اختراعات “الشيف هدى” ما شاء الله..

فهتفت نور بإعجاب، موجهة حديثها لهدى التي أقبلت عليهما في تلك اللحظة:

– ما شاء الله! يمكنك تأليف كتب طبخٍ رائجة بهذه الطريقة!

فضحكت هدى:

– كنتُ أفكّر بذلك فعلاً، ولطالما راودني حلم افتتاح مطعم، بدل العمل في المستشفى..

فعلقت أمها:

– يا خسارة الطب والتعليم!

وضحكت الفتاتان، فيما استأذنت الأم بالذهاب إلى غرفتها- لتفسح المجال لهما بالحديث براحة- فقالت هدى موضحة:

– لا أنكر أنني دخلت الطب برغبة شديدة مني بالإضافة لتشجيع والداي، خاصة وأن العمل في قسم النسائية والتوليد أصبح أمراً ضروري من أجل النساء المسلمات، ولكنني في الوقت نفسه؛ لا يمكنني مقاومة رغبتي في ابتكار الوصفات الجديدة في المطبخ.. يمكنك اعتبارها هوايتي المفضلة، وهناك رواية قرأتها قبل فترة، يقول فيها الحكيم لبطل القصة، وهو يوضح له طرق التعامل مع الحياة، وبناء الشخصية الجيدة:

“كل شخص يمكنه صناعة حساء رائع، هذا يعتمد فقط على المكونات التي سيضعها فيه، إنها اختياراتك!”

حيث يشبّه بناء الشخصية بصنع الطعام، فكما أن نوع “الطبخة أو المرقة” تختلف بناء على ما يوضع في القدر، وكذلك الشخصيات تختلف. وهذا بالطبع زاد شغفي بالطهي..

وصمتت هدى قليلاً، وهي تحاول تذكر الحوار جيداً، لكنها قالت أخيراً:

– انتظري لحظة، أذكر أنني نقلت هذه الفقرة من ترجمة وجدتها على الشبكة العنكبوتية..

ونهضت هدى، فيما تذكرت نور رغبة والدتها بالتحدث مع أم جابر، فأخرجت هاتفها، وهي توجه حديثها لنبيلة، التي عادت للمجلس:

– أمي ترسل لك التحية، فقد أخبرتها عنك يا خالة، وهي ترغب بالسلام عليك..

فتهلل وجه نبيلة بشراً:

– هذا لطفٌ كبير منها، يسعدني هذا..

وبأقل من دقيقة، كانت والدة نور قد أجابت الاتصال، فتحدثت السيدتان بود كبير، وكأنهما أختين فرّق المكان بينهما!

لم تستغرف المكالمة سوى بضع دقائق، كانت هدى قد عادت بعدها وهي تحمل دفتر ملاحظات صغير، فتحته على صفحة محددة، وأخذت تقرأ منه لنور، إحدى الجمل:

– “نحن نختلف أيضا، بناء على ما نضعه في وعائنا الخاص.”

ثم وضحت قائلة:

– بطل القصة يُدعى “زاك” واسم الحكيم “هاوك” الآن تذكرتُ هذا، وهكذا يبدأ “هاوك” بالاستطراد في الحديث مع “زاك” حول هذا المثل، موضحاً أن خياراتنا في الحياة، هي التي ستبني شخصياتنا، وستحدد كيف تكون مستقبلا، بناء على هذه الخيارات التراكمية، عندها يجيبه “زاك” بأن هذا مخيب للآمال! فهذا يعني أن خياراتنا التي اتخذناها ونحن غير مدركين لخطورته خاصة ونحن صغارا، أو ما تم إجبارنا على اتخاذه بسبب قلة وعينا، سيؤثر على شخصيتنا بالتأكيد! وهذا مُحبط! فيطمئنه “هاوك” بقوله…

وهنا قلبت هدى إحدى ورقات الدفتر، لتستأنف القراءة:

“لا يوجد شيء مُحبط! فكل ما عليك فعله هو تغيير اتجاه حصانك! أصنع “طبخة” جديدة!! وهذا بالطبع يحتاج إلى جهد وطاقة، ولكن للأسف معظم الناس لا يعيرونه أدنى اهتمام”

عندها يقول “زاك”:

“ولكن كيف يمكن للانسان أن يصنع “طبخة” جديدة ذات مذاق جيد، إذا كان قدر الطعام ممتلأ بمذاقات سيئة؟؟”

فأجابه:

“قد يأخذ هذا وقتا إضافيا، ولكن مع استمرارك في إضافة النكهات الجيدة، سيتحسن الطعم بالتأكيد. ثم من قال بأن هناك ما يمنع من إخراج بعض المكونات السيئة من القِدر؟ افترض أن زوجة أبيك أضافت كمية كبيرة من البصل دون قصد إلى قِدر الطعام، فماذا ستفعل؟؟ بالتأكيد ستقوم بالتقاط الكمية الزائدة من القدر، لتخرجها منه، حتى لا يُفسد الطعم، أليس كذلك؟؟ والشيء نفسه مع صناعة “الشخصية” الجيدة”

توقفت هدى عن القراءة، وهي تلتفت لنور، التي بدت مأخوذة جداً بما سمعت، قائلة:

– ما رأيك؟ أليست رائعة؟

فأومأت نور بانبهار واضح:

– إنها أروع مما تخيلت! لم يحدث أن سمعتُ مثل هذا التشبيه من قبل!! ما اسم الرواية لو سمحت؟ فقد تحمستُ لقراءتها..

فأجابت هدى:

– للأسف استعرت الرواية من إحدى الصديقات منذ فترة طويلة، كما أنني لم أعثر عليها في المكتبات بعد ذلك، ولو كانت عندي لأعرتك إياها، أظنها رواية قديمة، وهي بعنوان:

GRAYFOX

بالطبع هي تحتوي بعض المخالفات العقائدية بالنسبة لنا، ولكنها بشكل عام رائعة جدا..

فوافقتها نور:

– هذا واضح بالفعل، أحب قراءة الروايات من هذه النوعية كثيراً..

فعلقت نبيلة، التي كانت تشاركهم الجلسة أحياناً، وتتركهم لوحدهم أحيانا اخرى:

– ما شاء الله.. هذا يعني أنكما تتشاركان الاهتمامات نفسها أيضاً..

وغمزت نور باسمة:

– ألم أقل لك أنكما ستتوافقان بسرعة؟

فابتسمت نور:

– بالضبط.. تماماً كما قلتِ يا خالة..

وضحكت هدى بمرح:

– منذ أن قابلتك أمي أول مرة، وهي تحدثني عنك، حتى كدتُ أشعر بالغيرة! ولكن كما وصفتك تماماً، أنتِ تدخلين القلب بسرعة ما شاء الله..

فاحمرت وجنتا نور، قائلة:

– وأنتم أيضاً تدخلون القلب بسرعة، أشعر أنني وسط أهلي وعائلتي..

فقالت نبيلة:

– أنتِ بالفعل بين أهلك يا ابنتي..

عندها استدركت هدى قائلة:

– وماذا عنك يا نور؟ ما هي هواياتك المفضلة؟

فأخبرتها نور عن ولعها بالرسم، والأفكار التي تعبر عنها من خلاله، وإذ ذاك هتفت هدى بإعجاب شديد:

– أنتِ رسامة إذن ما شاء الله! ألا تحتفظين ببعض رسومك، أرغب برؤيتها بشدة!

فسألتها نور باهتمام:

– وهل تحبين الرسم أيضا؟

فابتسمت هدى:

– حسناً.. لا أمانع بتأمل اللوحات الجميلة طبعا، ولكن هوايتي المفضلة تظل في المطبخ كما أخبرتك، ولكنني متشوقة لرؤية لوحاتك وما تعرضين فيها من أفكار! يبدو هذا مثير جداً للاهتمام ما شاء الله..

واستطردت قائلة:

– كما أن صديقتي في المستشفى ليزا، رسامة ماهرة، بل وتعشق الرسم كثيراً، وسيكون من الرائع أن أعرفك إليها، ربما تصلها أفكارك أيضاً، فالفنان لا يفهمه إلا فنان مثله كما يقولون..

ثم ضربت بقبضتها على كفها بحماسة، قبل أن تقول:

– ما رأيك أن نخرج نحن الثلاثة معاً؟ ستكون فرصة رائعة لتعريف ليزا بالمسلمين أكثر!

فتحمست نور للفكرة:

– سيسعدني هذا بالطبع.. سأخبر عامر بذلك، وأرد لك خبراً إن شاء الله..

فرفعت هدى يديها علامة الانتصار:

– اتفقنا إذن..

وقبل أن تضيف أي منهما كلمة أخرى، رن هاتف نور، فأجابت الاتصال:

– حسناً خمس دقائق، وأكون مستعدة إن شاء الله..

وبعد أن أغلقت الخط، قالت هدى:

– ما زال الوقت مبكراً!!

فابتسمت نور:

– في الحقيقة لقد بقينا أكثر من المتوقع، ولا شك أن عامر كان يتوقع مني الاتصال به، لكنني لم أفعل.. فقد نسيت نفسي على ما يبدو..

ثم التفتت إلى نبيلة، التي انضمت إلى الجلسة مجدداً:

– جزاكم الله خيرا للضيافة الرائعة يا خالة، لقد سعدتُ بالتعرف إليكم حقاً..

فقالت نبيلة، وهي تحثها على الجلوس أكثر:

– ما هذا!! لا يزال الوقت باكراً، وأنتم لم تشربوا القهوة بعد..

فهمت نور بالاعتراض، ولكن نبيلة قالت:

– لا تقلقي.. لقد أخبرتُ أبو جابر بأن ينتظر القهوة..

وبسرعة هبت هدى نحو المطبخ لتعد القهوة، فيما أخذت نبيلة توصي نور قائلة:

– أرقام هواتفنا أنا وهدى معك، فلا تترددي بالاتصال بنا إن احتجتِ أي شيء..

فشكرتها نور من أعماق قلبها:

– لا تقلقي يا خالة، فأنتم أهلي هنا بعد كل شيء.. ألم نتفق على هذا..

فابتسمت نبيلة بارتياح:

– يسعدني سماع هذا..

وخلال أقل من عشر دقائق، بعد شرب القهوة؛ كانت نور تجلس إلى جانب عامر في السيارة، والذي سألها باهتمام:

– كيف كانت الزيارة؟

فابتسمت نور، قائلة باقتضاب:

– الحمد لله جيدة، إنهم أناس طيبون فعلاً ما شاء الله..

فسألها عامر مرة أخرى:

– وكيف وجدتِ هدى؟ هل انسجمت معها؟

فرمقته نور بنظرات ذات معنى، قبل أن تقول:

– وما شأنك أنت بنا معشر النساء؟

تفاجأ عامر من ردة فعل نور، لكنه سرعان ما انفجر ضاحكاً:

– فهمت.. فهمت يا عزيزتي.. أنا لم أقصد ذلك بالطبع، ولكنني كنتُ أريد الاطمئنان عليك أكثر..

فقالت نور:

– قلتُ لك أن الزيارة كانت جميلة، والناس طيبون، وبالطبع انسجمنا معاً، وإلا لكنتُ اتصلتُ بك حتى نعود بسرعة، فماذا تريد أن تعرف أكثر؟

فابتسم عامر:

– بالطبع لا شيء.. ولكن هل تصدقين..

وصمت قليلاً- فيما تحفزت نور لما سيقوله- قبل أن يتكلم بابتسامة ودودة:

– إنني سعيد لسماع هذا منك.. لم أكن أعلم أنك تغارين عليّ إلى هذه الدرجة!

فما كان من نور إلا أن قرصت كتفه، وقد احمرت وجنتيها:

– يا لك من مزعج فعلاً!

فضحك عامر، وهو يتظاهر بالألم، متأوهاً من قرصتها:

– إنني أمزح فقط.. مجرد مزحة لا أكثر..

لكن نور استدركت قائلة:

– بالمناسبة، اقترحت هدى أن نخرج معاً، مع صديقة لها في المستشفى، فما رأيك؟

فعلق عامر بابتسامة متفاجئة:

– ماشاء الله! لقد وصلتم إلى هذا الحد إذن! ومتى الموعد؟

فأجابته نور:

– لم نحدد بعد، فقد أخبرتها بأنني سأناقش الأمر معك أولاً..

فابتسم عامر، بسعادة واضحة:

– أنتِ تعلمين أنني لن أمانع، بل يسعدني سماع هذا، فالصحبة الصالحة لا تعوّض..

ثم تابع ممازحاً:

– أخشى أن تتطور الأمور أكثر حتى تنسي أن لك زوجاً!!

فلكزته نور بيدها ممازحة:

– لا تكن غيوراً.. واحدة بواحدة!

وضحك الاثنان، في حين أوقف عامر السيارة قليلاً، قبل أن يغير وجهتها بعيداً عن المنزل، وتناول يدها اليمنى ليطبع عليها قبلة، قائلاً:

– والآن يا أميرتي.. هل أنتِ مستعدة للمفاجأة!

فارتبكت نور قليلا، قبل أن تجيبه بدهشة:

– منذ متى وأنت تتصرف هكذا يا عامر!! أنتَ لا تبدو على طبيعتك أبداً!

فأبدى عامر خيبة أمل على وجهه وهو يقول:

– يؤسفني سماع هذا منك! كنتُ أظن أنني أكثر لطفاً معك!

فلم تتمالك نور نفسها من إطلاق ضحكة:

– لا تقل أنك بدأت تتدرب على الإخراج المسرحي!

فنظر إليها عامر:

– أهذا رأيك حقا! يبدو أنني أسوأ مما تتصورت، أليس من الطبيعي أن يلاطف الرجل زوجته!!

فابتسمت نور:

– بل طبيعي جداً، ولكن لا تبالغ كثيراً، فلستُ معتادة على ذلك!!

فضحك عامر:

– لا بأس ببعض التغيير بين الفينة والأخرى..

مضت بضع ساعات من القيادة، خارج المدينة، قبل أن تلوح أمامهما لافتة خشبية، توحي لمن يشاهدها بأنها قادمة من عصر الفرسان، تشير نحو بوابة ضخمة يعلوها قوس مهيب، فالتفتت نور نحو عامر الذي بدأ بتخفيف سرعة السيارة، متسائلة بدهشة واضحة:

– هل هذا هو المكان الذي ستأخذني إليه!

فابتسم عامر:

– ما رأيك؟ لقد بحثتُ كثيراً قبل أن أعثر عليه في الدليل.. إنها أكبر مساحة برية لركوب الخيول في هذه البلاد!

فهتفت نور بحماسة:

– وأخيراً.. ستريني مهاراتك في الركوب! هذا رائع! لطالما تحدثت أمك عن براعتك في ذلك ما شاء الله!!

فسعل عامر بحرج، وهو ينزل من السيارة، بعد أن أوقفها في المصف:

– حسناً.. أنت تعرفين أنني لم أمارس هذه الرياضة منذ فترة طويلة، لذا لا ترفعي سقف توقعاتك عالياً..

فغمزته نور ممازحة:

– لا تكن متواضعاً هكذا، فأنت فارسي البطل..

فأدار عامر رأسه باتجاه صالة الاستقبال قائلاً:

– أنتِ تعرفين كيف تحفزينني فعلاً، يا لك من داهية..

فوضعت نور يدها على فمها؛ لتكتم صوت ضحكتها، من ردة فعله الخجلة، وهي تتبعه سيراً نحو الصالة..

ما أن أنهى عامر الاجراءات اللازمة، مع المسؤولين، بعد أن سلّم بطاقته الشخصية، ودفع الأجرة المطلوبة؛ حتى أخذه السائس نحو اصطبلات الخيول المعدة للركوب، ليختار منها ما يشاء.. وبالطبع ترك الاختيار لنور، التي هتفت بانفعال، بمجرد أن وقع عينها على حصان أشهب جميل، تعلو جبينه نجمة سوداء:

– ما شاء الله!! سبحان الخالق!!

والتفتت نحو عامر:

– ما رأيك بهذا؟ أليس رائعاً؟

فأومأ عامر رأسه موافقاً، ثم التفت إلى السائس يخبره عن اختياره، ليسوقه بعد ذلك إلى منصة الركوب..

ساعد عامر نور أولاً على ركوب الحصان، ثم صعد ليجلس أمامها ممسكا باللجام، وقبل أن ينطلق، قال لها:

– تمسكي جيداً..

فأمسكت قماش قميصه الخلفي، بيديها، فما كان منه إلا أن جذب ذراعيها بيديه، وأحاط بهما خاصرته، ليلتصق صدرها بظهره قائلاً:

– قلتُ لك تمسكي جيدا يا حبيبتي..

فخفق قلب نور بشدة، وكأنها تسمعها منه للمرة الأولى، حتى شعر بنبضات قلبها، فيما أسندت خدها الأيمن على ظهره، وأحكمت لف ذراعيها على وسطه، متشبثة به بقوة، كمن تخشى افلاته، والدموع تسيل على خديها مرددة في سرها:

– يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، يارب لك الحمد على هذه النعمة.. يارب.. لا أعرف كيف أشكرك.. لطفتَ بي ورحمت قلبي فلك الحمد.. الحمد لله.. الحمد لله .. الحمد لله.. يارب.. احفظ لي عامر.. ولا ترني فيه ما يسوؤني.. وبارك في حبنا ولا تعلق قلوبنا بغيرك.. اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.. فأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..

فيما ردد عامر- بصوت عال- وهو يستعد للانطلاق:

– بسم الله.. سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون..

ثم شد اللجام وهو يهتف:

– هيا بنا..

وانطلق الجواد.. يحلق بهما، فوق مروج خضراء زاهية، نحو غد مشرق، مفعم بالتفاؤل والأمل، بعد أن تلاشت غمامة سوداء؛ كادت أن تجثم على قلب نور، وتسرق البسمة من محياها الجميل..

**

خيّم الصمت على قاعة المحكمة، بعد أن طرق القاضي بمطرقته ثلاث طرقات.. ولم تمضِ سوى لحظات قليلة، حُبِست خلالها الأنفاس، واشرأبت الأعناق، قبل أن ينطق بالحكم في قضية المتهم “كارم بهاء”، أمام الجميع..

حاولت سوسن تقبل الأمر برباطة جأش، من أجل أمها على الأقل، وحمدت الله أن دلها إلى طريق الهداية، قبل حصول هذه المصيبة، إذ ستكون أحوج ما تكون إلى ملاذ آمن تبثه شجونها، في هذه الفترة العصيبة من حياتها، بل وحياة عائلها..

فشرعت تناجي ربها بصمت، فهو وحده.. يسمعها.. يفهمها.. ويريح قلبها..

وسالت الدموع غزيرة من عينيها..

يارب.. ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، الطف بنا.. وفرج هذا الكرب عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين..

رب اغفر لي ولوالدي.. رب ارحمهما كما ربياني صغيرا..

********

**نهاية القسم الثاني من الرواية**

بانتظاركم في القسم الثالث إن شاء الله..

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 56

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

لم يدر كارم كم مر عليه من الوقت- بصحبة رامز في سيارته الخاصة- وهو يبوح له أخيراً بكل ما أخفاه عن الجميع، طوال عشرين سنة الماضية!

كان رامز يستمع إليه بانصات شديد، في جلسة أشبه ما تكون بالفضفضة؛ عوضاً عن كونها لتوثيق حقائق أو ادلاء بمعلومات!

ورغم أن الظلام قد حل على المدينة، إلا أن إضاءة الشوارع كانت كافية لرامز؛ كي يتبين موقع المنزل الذي أشار إليه كارم، في شارع صلاح الدين، بعد أن أوقف سيارته، إلى جانب الرصيف، قائلاً:

– هنا كان منزلي السابق، وقد بعته بمجرد انتقالي إلى منزلي الحالي، أما ذلك المنزل المقابل، فهو منزل ثائر وليد.. كما ترى.. إنه مهجور منذ ذلك الحين، بعد أن تم الحجز على جميع أملاكه، ووضعها تحت رقابة الدولة، إثر تلك القضية، حتى يتم البت في أمرها! غير أن الموضوع تم نسيانه على ما يبدو بمرور السنين، فقد مرت البلاد بما يكفي من أزمات؛ لتشغل المسؤولين عن متابعته!

وبعد صمت، سأله رامز:

– قلتَ بأن له زوجة وابنا، فما الذي حل بهما بعد ذلك؟

فأطرق كارم:

– سمعتُ أن زوجته انتقلت للعيش مع أهلها في مدينتها السابقة، وأخذت ابنها معها، فلم يكن قد تجاوز السابعة أو الثامنة في ذلك الوقت..

وصمت قبل أن يتابع بألم:

– قد لا تصدقني، ولكنني كنت أعتبر ذلك الفتى بمثابة ابني الذي لم أنجبه! بل لو كان لي ابن؛ لما أحببته أكثر منه! لم أتوقع يوماً أن تؤول الأمور بيننا إلى هذه الحال.. بالطبع لا يمكنني أن ألومه، فأنا من حطم ثقته بي أولاً!

فسأله رامز باهتمام:

– هل تعني أن ذلك الفتى؛ هو المسؤول عما يحدث الآن؟

فأومأ كارم برأسه:

– لا شك عندي بهذا، رغم أنني لا أعرف كيف أصبح ذلك الفتى بعد تلك السنين، وإلى أي حد وصل؛ لكنني لا أعتقد أن للرجلين الآخرين علاقة بذلك، إذ تمكن كلاهما من مغادرة البلاد بسرعة؛ قبل القبض عليهما، وأظنهما استأنفا حياتهما من جديد في الخارج.. والد الفتى وحده كان الأسوأ حظاً بين الجميع..

ساد الصمت مجدداً، قبل أن يسأله رامز:

– قلتَ أن والد الفتى.. أقصد ثائر وليد، قد أودع السجن في ذلك الوقت، فهل لا يزال في السجن وعلى قيد الحياة حتى الآن؟

فأطرق كارم:

– أجل.. فما زلتُ أتابع أخباره بين فينة وأخرى، لأطمئن على صحته من بعيد، بطريقتي الخاصة، فوخز الضمير لم يفارقني منذ ذلك الحين، ولا أخفيك أنني لم أفكر بخوض غمار الترشح لرئاسة الوزراء في هذا الوقت بالذات؛ إلا من أجل إيجاد مخرج لثائر والبحث في قضيته من جديد، بعد أن نأيتُ بنفسي عن جميع المناصب الوزارية منذ تلك الحادثة!

وتنهد بألم:

– لم يكن ثائر جاري المقرب وحسب، بل كان صديقاً عزيزا جداً، والأقرب إليّ من بين الثلاثة، ولم أكن لأقدم على ذلك الأمر سوى مُكرهاً، ولأجل الضرورة، ومصلحة الجميع، فكان هو الضحية.. ولكن من سيفهمني؟

لم يعلق رامز بشيء، وبدا أن الإحباط قد بلغ بكارم مبلغه، فقال بانكسار:

– لستَ مضطرا لتصديقي أيها المحقق، ولكنني أقسم لك أن هذه هي الحقيقة..

وأخيراً، قال رامز الذي بدا غارقاً في تفكير عميق:

– وهل حُلت مشكلة البلاد بعد ذلك فعلاً؟

فأجاب كارم:

– بعد أن نفذ رئيس الوزراء قراره، الذي اصطبغ بالشرعية الوطنية، تم تسوية الخلاف بالفعل مع مجلس اتحاد الحلفاء. وحتى لا تقع البلاد في حالة فوضى، إثر الغاء النظام الملكي بتلك الطريقة، مما قد يؤثر سلباً على استقرار المنطقة أيضاً؛ فقد تم الاسراع بتشكيل حكومة مؤقتة، يترأسها مجلس اتحاد الحلفاء، بإسم الحاكم العام لبلادنا، من أجل إدارة الشؤون الخارجية، مع تعيين نائب له في البلاد، يكون كحلقة وصل مع مجلس الوزراء، الذي حافظ على صلاحياته كما هي، فيما يتعلق بالشؤون الداخلية، ليصبح رئيس الوزراء بعدها؛ صاحب السلطة الأعلى في البلاد! ومنذ ذلك الحين؛ تم إغلاق تلك القضية نهائياً، ومُنع الحديث فيها بالقوة، من أجل استتباب الأمن، وإعادة ترتيب شؤون البلاد، رغم استياء شريحة كبيرة من المواطنين، في حين بقيت أسرة الملك الراحل بالخارج، ولم تعد منذ ذلك الوقت..

كان رامز يستمع بتركيز شديد، عندما سمع صوت تنبيه هاتف كارم، معلناً عن وصول رسالة جديدة، فأسرع كارم يفتحها بلهفة:

“اهلاً بك في منزل وزير الخارجية المغدور “ثائر وليد”..

إن أردتَ رؤية ابنتك فتعال لرؤيتها هناك”

لم يخف على رامز رؤية حالة الذهول، التي سيطرت على كارم، فسأله باهتمام:

– هل الرسالة من المختطفين؟

فما كان من كارم إلا أن ناوله هاتفه، وهو يهم بالنزول من السيارة، لولا أن رامز أمسكه من ذراعه مستوقفاً، بعد أن قرأ الرسالة بسرعة:

– عليك أن تكون أكثر حذراً يا سيد كارم.. قد يكون هذا مجرد كمين، فنحن الآن تحت المراقبة بلا شك!

وكأن اليأس والاحباط وتأنيب الضمير قد فعلوا فعلتهم بكارم، حتى ما عاد يبالي بأي طريق سيهلك، فجذب ذراعه من يد رامز، قائلاً بلا مبالاة:

– كنتُ مستعداً لفعل أي شيء من أجل هذه المواجهة، ولا أبالي بما سيحدث بعدها..

قال جملته تلك، وقفز من السيارة باتجاه ذلك المنزل المهجور أمامه.. منزل ثائر وليد..

أما رامز، فقد أخرج هاتفه بسرعة، ليطلب رقماً محدداً، لكن دهشته كانت عظيمة عندما تعذر عليه إجراء الاتصال، رغم أن هاتفه لا زال في الخدمة، فحاول طلب أرقام أخرى؛ لكن النتيجة كانت نفسها في كل مرة! فهتف بضيق:

– مستحيل! كيف حدث هذا!!

وعندما حاول إرسال رسالة؛ أدرك أخيرا ما حدث مع أمل!!

كان كارم قد اختفى داخل المنزل، ولم يجد رامز بداً من التحرك بسرعة؛ فقفز إلى مقعد القيادة، وهم بإدارة المفتاح الذي تركه كارم خلفه، غير أن يد غليظة- امتدت من نافذته على حين غرة- قامت بإيقافه، فيما أمسكت يد أخرى بمسدس مصوّب إلى صدغه، ليسمع بعدها صوتاً يهمس في أذنه بقسوة:

– أنتَ مدعوٌ إلى حفلتنا أيضاً..

**

كانت صحة سوسن قد تحسنت بشكل ملحوظ، منذ مجيء أمل، لا سيما وأن معنوياتها ارتفعت بوجودها إلى جانبها في هذه الغرفة، بعد تلك الأيام المظلمة في القبو، حيث لم تر أحداً غير أولئك الرجال! والأهم من هذا كله؛ أن أمل ساعدتها على معرفة الأوقات، كما أرشدتها إلى اتجاه القبلة!

ابتسمت لها أمل، وهي تهم بمغادرة الغرفة:

– الوقت أصبح متأخراً الآن، لذا حاولي النوم، فهذا أفضل لصحتك..

فبادلتها سوسن الابتسام:

– سأحاول، ولكنني نمتُ كثيراً اليوم، حتى لم أعد أشعر برغبة في المزيد..

ثم استطردت قائلة بامتنان شدسد:

– شكرا جزيلاً لك يا أمل، إنني حقاً مدينة لك بالكثير، ولا أعرف كيف أشكرك أو أوفيك حقك.. جزاك الله خيرا..

فغمزتها أمل باسمة- لتواري حرجها من هذا الاطراء:

– بل الشكر لذلك الشاب الذي فعل المستحيل من أجلك..

فحملقت فيها سوسن بتعجب:

– أي شاب!!

فأفلتت من أمل ضحكة خافتة، وهي تقول:

– ربما لا يزال من المبكر الافصاح عن ذلك، فستكتشفينه بنفسك يوماً ما..

وبلا تردد، سألتها سوسن باهتمام:

– هل هو أيهم؟

فصمتت أمل قليلاً، وهي تستذكر ما دار بينها وبين رامز من حديث حول حياة سوسن، فراوغت إجابتها قائلة:

– ألم تفسخي خطوبتك منه بنفسك؟

فأطرقت سوسن بألم:

– أجل هذا صحيح.. ولكن ليس لأني لا أحبه، لم يكن هناك خيار آخر أمامي..

وهمت أمل بسؤالها عن ذلك أكثر، غير أن سوسن ألحّت عليها بالسؤال مرة أخرى:

– أرجوك أخبريني.. هل هو ذلك الشاب الذي تتحدثين عنه حقاً؟ أليس أيهم هو من أخبرك بما حدث بيننا، وطلب منك مساعدتي؟

وأمام لهفة سوسن، شعرت أمل برغبة شديدة في تجاهل إجابتها، فقد يكون هذا أفضل من إصابتها بخيبة أمل! غير أن صمتها ذاك؛ كان كافياً لسوسن حتى تعرف الإجابة المريرة، فتنهدت قائلة:

– لا بأس، لقد فهمت.. لا داعي لإزعاج نفسك، فلم يعد هذا يهمني كثيراً..

فأسرعت أمل ترد عليها بابتهاج:

– لعله خير، فأنتِ لا تعرفين ما تخبئه لك الحياة، وقد يكون هناك حب أكبر بانتظارك يا عزيزتي..

وقبل أن تضيف أمل كلمة أخرى، سمعت صوتاً مريباً أفزعها؛ فأسرعت خارجة من الغرفة، دون أن تقفل الباب بعدها، كما كانت تفعل، بناء على وصية ذلك الشاب!

هرعت نحو الدرج المؤدي للبهو السفلي، حيث انبعثت أصواتٌ مختلفة، اختلط بعضها ببعض لتشكل مزيجاً غريباً، لم تألفه في هذا المنزل، منذ أن جاءت إليه! ولم تكد تطل من السلم المؤدي إلى الصالة السفلية؛ حتى راعها ما رأت، فكتمت صرخة فزع كادت أن تفلت منها، فيما أخذت الصور تتلاحق أمامها، وهي تسترجع ما حدث معها، منذ أن تركت رامز..

فما أن وصلت إلى العنوان المطلوب، وتأكدت من رقم المنزل في شارع صلاح الدين، حتى هالها مشهد المنزل الفارِه، الذي يحمل الرقم (20)، كان البستاني يعمل في الحديقة بجد، يسقي الزرع ويقلع الحشائش، ولم يبدُ على المكان ما يثير الريبة أبداً، فنزلت أمل من السيارة بعد أن نقدت سائقها أجرته، واتجهت مباشرة نحو البوابة.. وبعد أن القت التحية؛ أقبل نحوها البستاني الحارس:

– هل من خدمة يا آنسة؟

فأجابته أمل، وهي تحمل حقيبتها التي تشير إلى طبيعة مهنتها:

– أنا الممرضة أمل، ولدي مقابلة مع السيد ثائر، بخصوص ابنته..

فرمقها البستاني بنظرات استنكار، قبل أن يجيبها:

– لا شك أنك أخطأتِ العنوان يا آنسة..

ورغم توقع أمل لهذه الاجابة، إلا أنها تظاهرت بالدهشة، التي لم تكن مصطنعة بالكامل:

– أليس هذا هو المنزل ذو الرقم عشرين، في شارع صلاح الدين من الحي الشرقي؟

فأومأ البستاني رأسه إيجاباً، لكنه قال:

– أجل إنه هو، ولكن ربما هناك خطأ..

وقبل أن يضيف أي منهما كلمة أخرى، رن هاتف أمل فأسرعت تجيبه، وهي تتعمد رفع صوتها أمام البستاني كي يسمعها:

– إنني أمام المنزل مباشرة، ولكن يبدو أن هناك خطأ ما، ألم ترسل لي في العنوان أن رقم المنزل عشرين؟

لكنها صمتت قليلاً، إذ بدا أن المتصل قاطعها، قبل أن تقول:

– تقصد أنه المنزل الثاني؟ عذرا لم انتبه للرسالة الأخرى..

وما أن أغلقت الخط، حتى التفتت نحو البستاني موضحة:

– عذرا للازعاج، قال بأن الصفر أضيف إلى الرقم بشكل خاطيء..

وهمت بأن تسأل البستاني عن موقع المنزل الثاني، لكن شاب أطل بسيارته؛ قاطعهما قائلاً:

– أرجو المعذرة، هل أنتِ الممرضة أمل؟

فالتفتت أمل نحوه، فإذا به شاب أنيق، بدا في أواخر العشرين من عمره، حياهما مبتسما ومعتذراً في الوقت نفسه، فرد عليه البستاني التحية بابتسامة مماثلة، قبل أن يستأنف عمله:

– وعليكم السلام، لا بأس لا بأس.. حصل خير..

أما أمل، التي بدت مشدوهة برؤية هذا المشهد، والذي بدا طبيعياً أكثر من المتوقع، فقد انتبهت أنها لم تجب الشاب عن سؤاله بعد- والذي كان لا يزال ينظر إليها بتساؤل- فارتبكت قائلة:

– أجل.. أنا الممرضة أمل..

فعرض عليها الشاب الصعود إلى السيارة، وهو يشير بيده إلى الجهة اليمنى، موضحاً:

– المنزل في آخر هذا الشارع، فهل تمانعين في الركوب، أم تفضلين الذهاب مشياً؟

بدا التردد على أمل قليلاً، إذ لم تتوقع شيئاً كهذا، فهل عليها الذهاب مشياً مما قد يفضح قلقها وتوجسها، أم تصعد إلى السيارة؟

وأمام ترددها ذاك، أخذ الشاب زمام المبادرة، وهو يتحرك بسيارته نحو الاتجاه الذي أشار إليه، قائلاً لها بتفهم:

– لا بأس سأسبقك نحو المنزل، فالمسافة ليست بعيدة، وشكرا لمجيئك..

ما أن تحركت السيارة، حتى أخذت أمل تحث الخطا في ذلك الاتجاه، وهي تحاول التركيز فيما عليها فعله، خاصة وقد شعرت بارتياح عجيب نحو ذلك الشاب، الذي بدى لها مألوفاً نوعاً ما! وهمّت بالاتصال برامز، لكنها خشيت أن تكون تحت المراقبة، فلم تكن من النوع الذي يتخلى عن شكوكه بسهولة، ثم تذكرت ما أخبرها به الشاب عن الرسالة التي ورد فيها تصحيح الرقم، وشعرت برغبة شديدة في التأكد منها، إذ أنها لم تسمع منبه الرسائل، ولكنها آثرت تجاهل ذلك حتى لا تثير أدنى شبهة، كما أنها لم تعد واثقة؛ إن ما كان هؤلاء هم المختطفون حقاً أم لا!

كانت البيوت تصطف على جانبي الشارع، مما أعطى أمل شعور مضاعف بالأمان، والشك في الوقت ذاته، فيما كانت سيارة ذلك الشاب تلوح أمامها وهي تسير ببطء، حتى توقفت أمام مرأب أحد البيوت، فأدركت أمل أنه البيت المطلوب، وعندما شعرت بأن الشاب لا يمكنه رؤيتها من مرآة السيارة؛ أدخلت يدها في حقيبتها، وطبعت رسالة سريعة على هاتفها لرامز، تخبره فيه عن تغيير رقم المنزل، بكلمات موجزة:

“رقم المنزل 2”

ثم أرسلت الرسالة، دون أن تدري أنها لن تصل أبداً!

فكيف تم خداعها بعد ذلك، وهي التي احتاطت لكل شيء!!

بدا المنزل مهجوراً، على خلاف بقية المنازل المجاورة، لا سيما مع وجود تلك السلسلة الحديدية الضخمة، المربوطة بقفل محكم، حول بوابته الرئيسة، المؤدية لحديقة مزروعة بأشجار عملاقة، تُخفي ما خلفها، مما أصابها بالهلع في البداية، إلا أنه عرف كيف يكسب ثقتها، فتغدى بها قبل أن تتعشى به! كان آخر ما تتوقعه؛ أن يصارحها بتلك الحقيقة قبل دخولهما إلى المنزل- عبر باب جانبي مخفي تحت نباتات متسلقة، نمت حوله بعشوائية، ذكرتها بقصة “الجميلة النائمة”- وهو يهمس لها قائلاً:

– اسمعيني ايتها الممرضة، فلن أخفي عنك شيئاً، لقد تعمدتُ أن أخطيء في كتابة رقم المنزل، حتى تكون أمامي فرصة للحديث معك على انفراد، فهناك فتاة مختطفة في الداخل، ولكنني تمكنتُ من مراوغة المختطفين واقناعهم بأنني إلى جانبهم، حتى أتمكن من انقاذ الفتاة، وهي الان مريضة، فأقنعتُهم مرة أخرى بأن علينا احضار ممرضة قبل أن يسوء وضع الفتاة ونتورط أكثر! هذه هي الحقيقة يا آنسة، وأرجو أن لا يزعجك هذا، فقد كنتُ بحاجة لمن يساعدني.. ولا تقلقي فسأكون إلى جانبك دائماً، ولكن عليك التظاهر بأنك لا تعرفين شيئاً مما حدث، وكوني حذرة.. فالمختطفين يراقبون المنزل جيداً، وسأخبرك بتفاصيل ما عليك فعله، فنحن بحاجة لخطة محكمة، حتى نتمكن من النجاة، وإنقاذ الفتاة في الوقت نفسه..

لقد نجح في كسب ثقتها تماماً، حتى يضمن أن لا تقوم بحركة تفسد مخططاته، ولم يخطر ببالها أنه كشفها قبل أن تكشفه!

حتى عندما تصدر عنه تصرفات مريبة، كانت تعزو ذلك إلى حقيقة كونه واقع بحب الفتاة، كما أوهمها، أو أنها هي من أوهمت نفسها بذلك!

أخذت أمل تعض على شفتها غيظاً لهذا الطعم الذي ابتلعته بسهولة، وهي تحدث نفسها بغضب:

– ذلك الوغد!! لقد ظننته مجرد شاب أحبها، فإذا به سيد المختطفين، وأساس البلاء كله!! لن أسامحه على جعلي أضحوكة هكذا، بل وجعلني أرفع آمال سوسن بلا طائل! لن أسامحه أبداً.. لن أسامحه..

كان المشهد أمامها لا يزال كما هو، وكأن جميع تلك الصور قد مرت في ذهنها بطرفة عين!

ولأول مرة؛ سمعت أمل نبرة مختلفة من ذلك الشاب- الذي اعتادت على لطفه، منذ أن قابلته- وهو يوجه حديثه لكارم ورامز، الذين أحكم وثاقهما، وقد أحاط بهما أربعة رجال أشداء ملثمين:

– أظن أن الجولة قد شارفت على الانتهاء، فلا تحاول مراوغتي..

غير أن كارم رد عليه مؤكداً:

– قلت لك بأنني سأفعل ما تريده، فقد كنت أنتظر هذه اللحظة للحديث معك وجها لوجه، ولم أكن امتلك الطريقة لتحقيق ذلك! أما وإنني هنا أمامك، فيمكنك أن تفعل بي ما تشاء، ولكن لا تتعرض لأحد غيري.. فدع هذا الشاب وشأنه، فلا علاقة له بما حدث بيننا، وأعد ابنتي إلى أمها على الأقل..

فما كان من الشاب إلا أن قال بسخرية:

– لا تظن بأنك قادر على خداعي بكلامك هذا، فالغادر لا أمان له..

فطأطأ كارم رأسه، قائلاً:

– فارس.. هذا يكفي يا بني.. قلت لك…

غير أن فارس قاطعه بغضب:

– لا يحق لك أن تخاطبني بهذه الطريقة بعد كل ما فعلته! لقد وثق أبي بك، ووثقتُ بك لثقة أبي، ولكنك تخليتَ عن هذا كله بسهولة، لأجل مصالحك الخاصة..

عندها تدخل رامز الذي كان صامتاً طوال الوقت، وهو يرمق فارس بنظرات عميقة:

– قد يكون هذا الرجل خصمنا نحن الاثنين يا أخي، ولكن إذا كان والدنا نفسه قد تخلى عن بعض أبنائه الذين من صلبه، لأجل مصالحه الخاصة أيضاً؛ فلا يمكنك عندها لوم هذا الرجل!

وشدد رامز على الحروف لتظهر بشكل واضح، وهو يتابع:

– أفهمتَ ما أعنيه.. يا أخي الأصغر؟

كان كارم قد التفت نحوه بغير تصديق وقد ألجمته الصدمة؛ فيما حملق فارس فيه للحظة، كمن انتبه لوجوده فجأة، قبل أن يرد عليه باستنكار:

– ما هذا الذي تهذي به يا هذا! فلم يكن لي إخوة أبداً..

فرد رامز بسرعة:

– وكيف ستعرف عن شيء حدث قبل مولدك، بل وقبل زواج والدتك؟

غير أن فارس أجابه بتحد واضح:

– لا يهمني أن أعرف عن أي هراء تتحدث؛ فلن أدع أي شيء يشتت انتباهي عن هدفي الذي عشتُ لأجله طوال السنين الماضية!

كانت أمل لا تزال تراقب المشهد من الأعلى بصمت، وهي تحاول إيجاد طريقة تُخرج بها الجميع من هذا المأزق؛ عندما سمعت شهقة سوسن من خلفها، وهي تهتف:

– أبي!!

ولم تكد تنطق بهذه الكلمة؛ حتى هرعت نحو الأسفل، غير مبالية بما يدور حولها، فيما اتجهت الأنظار نحوها وسط دهشة عارمة، فدمعت عينا كارم وهم بالجري نحوها هو الآخر- لولا أن قيوده منعته- هاتفاً بفرح:

– سوسن.. ابنتي.. الحمد لله أنك بخير يا حبيبتي..

غير أن أحد الرجال- وكان الأسرع حركة- اتجه نحو سوسن ليوقفها، فما كان من فارس إلا أن صرخ به بحدة:

– دعها يا هادر!

وأمام تعجب الجميع؛ استأنف فارس كلامه لرجاله موضحاً:

– لم نعد بحاجة لها بعد الآن، فقد انتهت اللعبة..

ولم يكد يتم جملته؛ حتى كانت سوسن تعانق أبيها، وهي تبكي بحرقة، حتى إذا ما هدأت قليلاً، التفت كارم نحو فارس، قائلاً:

– لقد وعدتك بأنني لن أقاومك بعد الآن، ولن أخلف وعدي معك.. ولكن.. اسمح لي بطلب أخير.. أرجوك.. دعني أخبر ابنتي بما حدث، فهذا أقل ما يمكنني فعله من أجلها، في الوقت الحالي.. وعُدّ هذا اعترافاً آخر مني، يمكنك تسجيله!

وأمام صمت فارس، الذي أشاح بوجهه بعيداً عن نظرات سوسن المسددة نحوه؛ تحدث كارم كمن يستعيد ذكريات قديمة، يقصها على ابنته قبل النوم:

– كانت بلادنا تعاني من أزمات اقتصادية كبيرة، عندما مرض الملك أحمد الثالث، وخرج للعلاج بصحبة عدد من أفراد أسرته، بما فيهم ولي عهده “عبد المجيد”، الذي كان لا يزال في السادسة عشر من عمره، مما جعل رئيس الوزراء “أسعد محمود” يتولى مهمة قيادة البلاد الفعلية، بصفته نائباً للملك في تلك الفترة. ولأن البلاد كانت إحدى دول مجلس اتحاد الحلفاء- الذي يضم عدداً من الدول العربية المتجاورة- فقد كان لا بد للمجلس من المساهمة في تخفيف تلك الأزمة، وتقديم المساعدة لنا؛ بحسب نصوص الوثيقة الموقّعة من جميع الدول الحلفاء، غير أن اتهامات سرية، كانت قد وجّهت للملك أحمد الثالث، من قِبَل المجلس؛ حالت دون تقديم تلك المساعدات لبلادنا، بحجة خيانة ملكنا لمجلس الاتحاد، وتسريبه معلومات هامة، لدول أعداء! ومما زاد الوضع سوءا، هو موت الملك في الخارج، في حين كانت البلاد على وشك الانهيار! فلم يجد رئيس الوزراء آنذاك بداً من تسوية الخلاف مع مجلس اتحاد الحلفاء بنفسه، غير أن المشكلة كانت أعقد مما تصور! ولأن البلاد كانت بحاجة ماسة لدعم المجلس في تلك الفترة الحرجة؛ فقد أسرع بعقد جلسة وزارية مغلقة، ضمّت وزراء البلاد آنذاك، اقترح فيها إعلان براءة البلاد من الملك أحمد الثالث، وسحب الاعتراف به كملك سابق لها، غير أن بعض الوزراء اعترض على هذا القرار، بصفته يمس سيادة البلاد وكرامتها، كما أنه سيثبت التهمة على الملك دون محاكمة عادلة، أو دليل قاطع!

وصمت كارم قليلاً قبل أن يتابع بنبرة ألم واضحة:

– لم يكن الوقت في صالحنا، خاصة وقد بدأت الأطماع الخارجية تتجه نحونا، وكان الأفضل لنا هو الاسراع في تسوية الامور مع مجلس اتحاد الحلفاء، فعلى الأقل.. هناك اتفاقات واضحة تضمن لنا حقوقنا، غير أن رئيس الوزراء لم يكن يستطيع المضي في هذا الطريق، مع وجود معارضة قوية لقراره من بعض الوزراء، لا سيما وأن من بينهم ثلاثة وزراء؛ هم الأكثر تأثيراً وقوة، وقد يؤثرون بآرائهم على الغالبية؛ فكان لا بد من إزاحتهم عن الطريق!!

وصمت كارم، قبل أن يستأنف:

– كنتُ وزير الاقتصاد في تلك الفترة، وكنت أرزخ تحت ضغط كبير أكثر من أي شخص آخر، لا سيما وأن أكبر مشاكل البلاد في ذلك الوقت؛ كانت اقتصادية، ويهمني أكثر من الجميع؛ الوصول إلى تسوية سريعة مع مجلس اتحاد الحلفاء، للحصول على دعم ينقذ اقتصاد البلاد.. ولأنني كنت الأقرب إلى اولئك الوزراء الثلاثة، إذ كانت بيننا علاقات قديمة، قبل أن تجمعنا الوزارة؛ حيث كنا نقيم في الحي نفسه- الحي الشرقي، شارع صلاح الدين، والذي عُرف أيضا في تلك الفترة باسم شارع الوزراء- فقد حاولتُ اقناعهم بضرورة الموافقة على قرار رئيس الوزراء، والتخلي عن عنادهم من أجل مصلحة البلاد، غيرَ أنني لم أجنِ من ذلك سوى عداوتهم والاتهام بالضعف.. عندها.. اتخذتُ قراري…

ودمعت عينا كارم، وبدا غير قادر على اتمام الحديث، فيما أخذت دموع سوسن تسيل بغزارة على خديها بصمت، وهي تستمع لاعترافات والدها، التي ماكانت تخطر لها ببال، فقال فارس بحدة، كمن خشي أن ينجرف مع التيار:

– لا أظنك شعرتَ بالندم وقتها، وأنتَ تلفق تهم فساد واختلاس وخيانة لألئك الرجال الثلاثة؛ زوراً وبهتانا، حتى تبعدهم عن الطريق، من أجل تحقيق أهدافك الخاصة..

حاول كارم الدفاع عن نفسه، قائلاً:

– حتى وإن لم تصدقني، فلم يكن هذا في نيتي أبداً، لقد كانت مصلحة البلاد…

فقاطعه فارس بحدة:

– إن كانت مصلحة البلاد تهمك إلى هذه الدرجة، وما زلتَ مستعد للتضحية بالبعض من أجل الكل؛ فعليك أن تكون مديناً لي، لأنني سأمنحك فرصة التضحية بنفسك، من أجل انقاذ البلاد، ووضع حد للشائعات والفتن التي تنهشها الآن!

وتابع بثقة:

– بل وإعادة الأمور إلى نصابها أيضاً.. فالأمير “عبد المجيد”، أو بالأصح، جلالة الملك “عبد المجيد” الملك الشرعي لهذه البلاد؛ لن يبقى صامتاً للأبد!

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم