بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


الجودة أم الالتزام بالجدول الزمني؟

(بين يدي مانجا اغتيال التاريخ)

كثيرا ما نسمع أن من يريد النجاح والإنجاز فعليه أن يضحّي! ولكن هل التضحية مقتصرة على إتعاب النفس وبذل المال والجهد والموت في سبيل ما تضحي لأجله، وما شابه ذلك؟ وما هي “التضحية” التي يجب أن يقدمها “المانجاكا” لاجل النجاح؟

قد يكون مما لا يخطر بالبال هو أن التضحية تكون أحيانا (بالإصرار على الحياة) أكثر من (الموت بسهولة!)

ومن هذا المنطلق، رأينا أنه من الضروري تسليط الضوء على هذه القضية، التي نكاد نجزم بأنها السبب الرئيسي لتوقف الإنتاج عند المانجاكا العرب المحترفين تحديدا، والذي يمكن تلخيصه بعدم قدرتهم على التضحية بالجودة المثالية التي يتخيلونها.


أقول هذا من خلال خبرتنا السابقة مع عدد من الرسامين المحترفين!

معظمهم كان مستعدا للتأخر عن المواعيد، أو حتى التوقف عن العمل تماما وعدم تسليم أي شيء، لأن هذا أهون عليهم من أن تخرج أعمالهم بأقل من الجودة التي تناسبهم!

وقد تحدثت إحدى الرسامات مطولا حول هذه العقدة التي يعاني منها البعض، وكيف أنّها كانت بحاجة للذهاب لاستشارة نفسية لأجل أن تتمكن من تجاوز هذه الأزمة، وأنه لا بأس بنشرها لعمل ما بجودة أقل من المطلوب، وأنه لا بأس لو ظهرت أخطاء، فالكمال لله وحده.

عقدة المثالية أو عقدة الكمال ليست بالأمر البسيط، بل هي مشكلة حقيقية يجب معالجتها جذريا، إذا أردنا أن نتقدم للأمام.

وهنا اقتبس مقولة أعجبتني من أحد أعضاء النقابة:

“تسليم العمل بجودة قليلة سيعطيه فرصة ولو قليلة، لكن الحرص على الجودة العالية الذي سيؤدي لعدم التسليم نهائيا، فهذا لن يعطي العمل أي فرصة.”

لأجل ذلك، حرصنا على كسر أحد الحواجز الكبرى التي تحول بين الرسامين العرب وبين الإنجاز، باتخاذ قرار إصدار “نبراس المانجاكا” حتى ولو لم تكن الأعمال بالجودة المثاليّة، على أمل أن تتطور تدريجيا مع الاستمرارية بإذن الله!

وأكبر مثال مانجا “اغتيال التاريخ.”

رغم انه عمل معنا عدد من محترفي الرسم، لكن لم يتمكن أي واحد منهما التسليم، لوجود ظروف خاصة لديهم، منعتهم من تقديم العمل بالجودة القصوى، في حين استطاع رسام بمستوى جيد (اقل منهم احترافا،) ورسامة تعمل لأول مرة في إخراج المانجا؛ من إنجاز فصل بـ 15 صفحة، ما شاء الله، خلال وقت قياسي.

الجميع قرر ببساطة أن ينجز العمل في وقته، دون أن تعيقهم عقدة الكمال! بلا شك تكون هناك ظروف خارجة عن إرادة الإنسان، ولكننا نسدد ونقارب ونتق الله ما استطعنا.

ضرورة التضحية بالجودة أحيانا، هو أحد أهم الدروس التي استفدناها، وعشنا تجاربها بما يكفي على مدار سنوات، مما جعلنا نصل للمرحلة التي نقول فيها أننا عثرنا على الحل بفضل الله!

بالطبع الامر يحتاج موازنة دقيقة.
لن يكون بإمكاننا بالطبع القبول برسم سيء جدا، وغير مقبول نهائيا
ولكن أيضا لن يفيدنا أن يكون هناك رسم خرافي واحترافي جدا، ولكن بدون أي تسليم ولا إنجاز حقيقي!

نحن بحاجة للتوازن في كل مناحي حياتنا لا إفراط ولا تفريط، وخير الأمور الوسط.

وهذا ينطبق على النقد والتشجيع: النقد ضروري لأشخاص مغرورين ولا يريدون تطوير انفسهم، ولكن التشجيع هو الأهم للأشخاص الذين يعانون من الخوف من نشر أعمالهم بجودة اقل من المطلوب!

وهنا سأشير لإحدى التجارب اليابانية، والتي تحدث عنها المنتج إيواتا، بقوله:


“بسبب شغفهم تجاه المشروع، كانوا يستغرقون وقتاً طويلاً للوصول إلى مستوىً يرضونه. عندما تنتج عملاً ما، سيتوجب عليك أحياناً التنازل عن هذه الأشياء وجعل الأولوية للجدول. إذا تأخر شيء واحد فكل شيء آخر سيتأثر وستتسبب بالمشاكل لبقية الفريق.”

ثم يجيب إيواتا وهو يشرح عن حالتهم تحت الضغط:


“ظننّا أننّا سنموت. كنا متأخرين للغاية في الجدول لدرجة لم يكن لدينا وقتٌ حتى لتلوين الإطارات. فريق الإنتاج كانوا في حالة غليان حتى موعد البث، لذا بالنسبة لهم كان من المهم لهم أن تعرض الحلقة على الهواء حتى في تلك الحالة.

لو أنهم فوّتوا موعد البث، فغالباً ماكروس لن يكون ما هو عليه اليوم. أنا متأكد أنه كان من الصعب عليهم أن يعرضوه بتلك الهيئة، لكن ما أريد من الناس أن يتفهموه هو أنه لم يكن لديهم خيار سوى فعل ذلك. لهذا السبب كنا عازمين على تعويض المشاهدين بطريقة ما، الحلقة السابعة والعشرين تعتبر إحدى تعويضاتنا. في تلك الحلقة لوحدها بذل الفريق ثلاثة أضعاف الجهد المعتاد.”

مصاعب إنتاج عملٍ خالد: مقابلة مع منتج ماكروس هيروشي إيواتا – ترجمة للمقابلة المسجّلة في Macross Graffiti.

وأخيرا.. أختم برسالة وصلتنا من أحد الأخوة جزاه الله خيرا، توافقت مع فكرتنا التي نرغب بإيصالها، فكان من الجميل إدراجها:

“لا تبحثوا عن المثالية في إنجازكم كلما كان ابسط فإنه بدخل قلوب المتابعين بشكل اسرع، لسوف تتأخر ساعات بل أعوام في إنجاز أمر ما بسيط لأنك تريده ان يكون الأفضل، اوصل فكرة بشكل بسيط و سوف تجد ثمارها قريباً.”

ونسأل الله التوفيق، فما التوفيق إلا من عند الله.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.