الرجل-العظيم

الرجل العظيم

عن القصة:

“شاب أسمه #هوتارو فى الـ 20 من عمره يحب فتاه أسمها #هينامى, وقام بخطبتها وكان يحبها حباً شديداً وبعد ان حددوا موعد الزواج، فجأه وصله خبر ان بعض اللصوص قامو باختطاف حبيبته .. ويبدأ هو وقتها رحلته بالبحث عن حبيبته من بلد لآخرى الخ…”

كان ذلك هو نص “★ المسابقه عن صنع قصه رومانسيه★” التي تم طرحها في إحدى مجموعات الأنمي الكبرى عام 2015، وكان من شروطها ان يكون “عدد الشخصيات التى بالقصه من 2 او 3 شخصيات كحد أقصى، ويكون افضل لو لم تكن القصه طويله كثيراً ” بناء على ذلك، وانطلاقا من الاعتقاد الراسخ بأن بامكاننا ادراج ثقافتنا العربية الاسلامية في مجال الأنمي، بما يوافق الذوق السائد للشباب؛ تم اعداد هذه القصة لتكون ردا على كل من يظن أنه لن يكون بامكاننا صناعة قصص أنمي من وحي ثقافتنا، أو أن ثقافتنا العربية قد تقيّد ابداعنا، او ستكون عائقا امامنا! وهكذا جاءت هذه القصة لتكون مثالا عمليا يقطع الشك باليقين، فتفضلوا لقراءة قصة: “الرجل العظيم”!

التصنيف: رومانسي، أكشن

أخذت السفينة تبتعد تدريجيا عن الميناء، فيما ازدحم المسافرون على واجهة السفينة المقابلة له؛ يلوحون لأهلهم وأصدقائهم في مشهد مثير، رغم كثرة تكراره!!

غير أن شاب واحد فقط وقف على الجهة الاخرى، يحدق في الافق البعيد، بعينين يشوبهما الشوق والحنين، لم يشعر بمضي الوقت وهو يقف على حالته تلك، كتمثال نُحت ليؤدي دوره في ذلك المكان، فلم ينتبه إلى صوت الربان وهو يعطي تعليماته، فقد كان غارقا تماما في عالم آخر.. عالم لم يستطع معه الشعور بما حوله، ولا مشاهدة أسراب النورس المحلقة فوقه، عوضا عن سماع أصواتها..

غير أن لفحة باردة من نسيم البحر، أثارت قشعريرة في جسده، وهي تلامس وجهه برقة، ذكرته بها، فأطلق تنهيدة طويلة:

– لقد بدأت الرحلة إذن! هينامي.. انتظريني وكوني بخير.. فأنا قادم..

وترقرقت عبرة في عينه، أثارتها أمواج من الذكريات اجتاحت مخيلته، عادت به إلى ذلك اليوم.. اليوم الذي رآها فيه أول مرة، فلم يعد يرى غيرها..

كان آنذاك فتى هادئا وخجولا في المرحلة الثانوية، يقضي معظم وقته وحيدا، حتى في أوقات الاستراحة، إذ كان يفضل الجلوس تحت شجرة لتناول شطريرته بعيدا عن ازعاج الطلبة، حتى جاء ذلك اليوم الذي لمح فيه تلك الفتاة الفاتنة، وهي تحاول التملص بلباقة من شاب حاول التقرب منها، لتنضم سريعا إلى صديقاتها، متخذة منهن درعا واقيا لها! كانت تلك هي المرة الاولى التي عرف بوجودها في مدرسته، كانت فتاة جميلة، بل فائقة الجمال، ذات شخصية آسرة ولطيفة، ورغم ذلك استطاعت أن ترسم حولها حدودا صارمة منعت المنحرفين من الاقتراب منها! لم يكن يعرف عن طبيعة ذلك الشيء الذي تحرك في قلبه تجاهها، غير أنه لم يجرؤ ولو لمرة واحدة على لفت نظرها لوجوده، ولو بحديث عابر، وآثر مراقبتها بصمت حتى بات يحفظ تحركاتها عن ظهر قلب، ولم يكن شيء يجلب له السعادة، أكثر من أن يوافق تنبؤه بتصرفاتها بما يصدر عنها فعلا، ومع ذلك بقي على مسافة كافية منها، فيما ازداد حبه لها بصمت مكبوت.. لم يدرك طبيعة ذلك الحب حتى جاء اليوم الذي سمع عددا من الطلبة في صفه يتحدثون عنها وعن الطريقة التي تمكنهم الوصول إليها خاصة وانها لم تواعد أحدا بعد، مما أشعره بغضب شديد وكأنهم يتحدثون عن ملكه الشخصي، وقتها همّ بافتعال شجار عنيف معهم لولا دخول المعلم!

عرف أنها تصغره بعام مما زاد من ألمه، إذ كان على وشك التخرج، فيما ستبقي هي سنة أخرى بعده، كان يائسا جدا ومحبطا إذ لم يجد طريقة تناسبه في الوصول إليها، لدرجة أنه بدأ بالتفكير في الاعتذار عن دخول الاختبارات أو التعمد في إهمالها ليتمكن من إعادة السنة، لولا خشيته من أن يزيد هذا من الفجوة بينهما، لا سيما وأنها فتاة مجتهدة، ولن يرضيها بالتأكيد الارتباط بفتى فاشل! كان ذلك هو الدافع الوحيد له ليتقدم نحو الامام، إلى أن حدث ما لم يكن بحسبانه، عندما ذهب لمقابلة المدير بشأن مشكلة حدثت في أوراق تخرجه، وقد فقد الامل تماما من الوصول الى الفتاة الوحيدة التي ملكت عليه فؤاده، فإذا به يراها أمامه وجها لوجه هناك!! شعر وقتها بارتباك مفاجيء كاد أن يفقده توازنه، وهم بالتراجع إلى الخلف وهو يشعر بحرج شديد إذ لم يكن يعلم أن لدى المدير زائرا آخر، غير أنه فوجيء به يناديه:

– هوتارو.. لقد جئت في وقتك يا بني..

والتفت إلى الفتاة الواقفة أمامه بأدب:

– هينامي، هذا من أفضل الطلبة في المدرسة وسيساعدك بالتأكيد على اختيار المراجع التي ستفيدك في السنة الاخيرة..

كانت تلك هي الهبة السماوية التي لم يحلم هوتارو بها أبدا، ولم يدر كيف استطاع تجاوز حرجه الشديد خلال تلك الفترة، حتى تمكن من خطبتها رسميا..

أفاق هوتارو من سيل ذكرياته على الحقيقة المرة التي يواجهها الآن! فقبض يده بشدة وهو يحترق ألما كلما تخيل ما حدث:

– لماذا هانيمي بالذات! لماذا؟؟؟؟

لقد مر أسبوع على ذلك الحادث الذي لم يستطع تصديقه بسهولة، فبعد أن حددا موعد الزفاف، هرع إلى منزلها بابتهاج شديد ليبشرها بنتيجة اختباراته الجامعية لهذه السنة، والتي أهلته للحصول على وظيفة بدوام جزئي قبل تخرجه، غير أنه فوجيء بمظهر والدتها الباكي، وهي تسوق له ذلك الخبر الصادم!!

لقد اختفت هانيمي، وعلى الأغلب أن ذلك كان اختطافا، فقد عثر أحد معارفها على بعض حاجياتها ملقاة على الارض، فيما تحدث بعض الاطفال عن رؤيتهم لرجلين أجبرا فتاة شابة على الذهب معهما!!

خرج وقتها كالمسعور يجري في الشوارع على غير هدى، وهو ينادي باسمها في كل مكان، فيما سُددت نحوه النظرات المتجهمة المستهجنة، بين مشفق ومستنكر، حتى سقط من التعب ينتحب نحيبا يائسا دون أن يدري ما الذي عليه فعله!

مرت أيام عصيبة، حاول خلالها التماسك واستعادة توازنه؛ ليستعيد حبيبته، فيما تولى والدها تبليغ السلطات والمسؤولين في البلاد عن تلك الحادثة..

أحكم هوتارو قبضته على تلك اللفافة في جيبه، وهو يحدق في البحر الممتد أمامه، مسترجعا تلك الكلمات التي ألقاها المحقق الخاص في إذنه:

– انها عصابة لها أهداف منحرفة وقد بدأت نشاطاتها بالانتشار في الاونة الاخيرة، وأظنهم سيتجهون الان نحو هذا الهدف لتسليم بضاعتهم..

وأشار بأصبعه على نقطة محددة فوق الخريطة الممتدة أمامه..

شعر هوتارو بالدم يغلي في عروقه لسماع تلك العبارة، وتلك الكلمة تحديدا!! فصرخ في وجهه بغضب:

– هينامي ليست بضاعة!! سحقا لاولئك الاوغاد سحقا لهم.. سحقا..

أخذ يردد تلك الكلمة وهو يضرب بقبضة يده اليسرى على حافة السفينة بقهر شديد، وقد استعاد كافة انفعالاته المتعلقة بذلك الموقف، وكأنه يعيشه مرة أخرى..

مرت أيامٌ عصيبة؛ حاول فيها هاتوري جاهدا السيطرة على نفسه، والتركيز على هدفه خلال تلك الرحلة الطويلة على ظهر السفينة، فانشغل بدراسة تلك اللفافة جيدا، والتي بين له فيها المحقق طبيعة ذلك المكان المجهول الذي سيزوره لأول مرة في حياته! إضافة إلى محاولته الجاهدة اتقان لغة تلك البلاد، عن طريق تلك الكتب التي ناوله إياها والد هينامي في اللحظة الاخيرة، فرغم أنه لم يخبر والدا هينامي بعزمه على السفر، إلا أنه فوجيء بوالدها يستوقفه قبل صعوده الى السفينة:

– ما الذي ستفعله وحدك يا هاتوري!! أرجوك يا بني لا تقدم على تصرف متهور، فالسلطات العليا ستتولى هذه القضية!

غير أن هوتارو أصر على موقفه:

– لا يمكنني الوقوف مكتوف اليدين بانتظارهم، سأفعل أي شيء من أجل هينامي، فثق بي أرجوك..

عندها ابتسم والدها وهو يقدم له عدة كتب:

– كنت أعلم أنك ستقول هذا، لذا أحضرت لك هذه الكتب لعلها تساعدك على تعلم لغة تلك البلاد..

***

استقرت السفينة أخيرا في ميناء تلك البلاد، وبدأ هوتارو رحلة البحث عن حبيبته دون أن يمتلك خطة واضحة المعالم لذلك، فالمكان كان غريبا جدا بالنسبة له، رغم جميع التوضيحات التي بينها المحقق في اللفافة، هذا إضافة إلى كونها بلاد واسعة مكتظة بالناس ذووي اللباس الغريب، فكان أشبه بالابرة الضائعة وسط كومة قش!

كان حب هينامي الجامح في قلبه، هو دافعه الوحيد للاستمرار في البحث عنها، فمضى في طريقه يحاول التماس الاخبار عن طريق المقاهي والمحلات، لعله يجد طرف خيط يوصله إلى مقر العصابة، فيما أخذت الايام والليالي تمضي تباعا، دون أن يصل إلى نتيجة مرضية! حتى أنهك التعب جسده، وبدأ اليأس يتسلل إلى نفسه، والقهر الشديد يعمل في قلبه عمل الخنجر، وهو يتذكر آخر تلك اللحظات السعيدة التي أمضاها مع هينامي، فيما بقيت كلماتها العذبة تتردد في أذنه:

– كم أنا سعيدة.. أخيرا سنتمكن من العيش معا تحت سقف واحد.. أحبك هوتارو..

ولم تعد قدما هوتارو تحتملان الصمود أكثر تحت ثقل همومه، وهو يرى ما آلت إليه حالهما، فلم يشعر بنفسه وهو يهوي على الارض بعد أن فقد وعيه..

***

احتاج هوتارو لعدة لحظات- بعد أن فتح عينيه- ليتذكر ما حدث معه! لقد كان آخر عهده بنفسه في أحد الشوارع، فما الذي أتى به هنا إلى هذا الفراش الوثير!!

 غير أن صوت أتى من جانبه الأيمن، لم يتركه في حيرته كثيرا، وهنو يقول له بكلمات تمكن من فهمها بصعوبة:

– الحمد لله على سلامتك، لقد كنت فاقد الوعي عندما وجدتك ممددا في الطريق، وأظنك غريب عن هذه المنطقة..

التفت هوتارو إلى محدثه، ليجد أمامه شابا وسيما قد أشرق وجهه بابتسامة حانية، رغم قوة جسده التي استطاع تمييزها من خلال عضلات ذراعيه،

ورغم شعوره بالارتياح نحوه، إلا أنه آثر الحذر مع هذا الغريب، والتزم الصمت لفترة طويلة، غير أن ذلك الشاب بادره بقوله:

– لقد كنت تهذي باسم هينامي طوال الوقت، وأظنها زوجتك التي تبحث عنها، أليس كذلك؟

فوجيء هوتارو من تلك الملاحظة السريعة، غير أن الشاب طمأنه بسرعة:

– يندر وجود الغرباء في هذا المكان، وقد خمنت من طبيعة حالتك التي وجدتك عليها، أنك كنت تبحث عن أحد ما، وعندما سمعتك تردد ذلك الاسم كثيرا خلال نومك، افترضت أنها زوجتك، هذا كل ما في الامر..

ولم ينتظر الشاب سماع رده، بل نهض من مكانه، ليحضر له طبق طعام ساخن بقوله:

– لقد طلبتُ من الطبيب المجيء للاطمئنان عليك، وقد أخبرني بأنك مرهق فقط وبحاجة إلى الراحة وتناول الطعام الجيد، وقد أعددتُ لك هذا الطبق بنفسي..

وأمام صمت هوتارو، استدرك الشاب نفسه:

– أرجو المعذرة، لقد افترضتُ جدلا أنك تفهم لغتي أليس كذلك؟

عندها أومأ هوتارو برأسه مجيبا بكلمة واحدة:

– أجل

فابتسم الشاب:

 – هذا جيد، وإلا لكنت مضطرا لمخاطبتك بلغتك رغم أنني لا أتقنها كثيرا

عندها سأله هوتارو بتعجب:

– وهل تعرف ما هي لغتي؟

فأجابه الشاب بابتسامة مرحة:

– بالتأكيد أعرف، فلدي خبرة كبيرة في تمييز الوجوه وبلادها، فهذا مجال عملي..

واستدرك قائلا بدعابة:

– بالمناسبة، ربما من الأفضل أن نبدأ حفل التعارف بيننا، ما رأيك يا صديقي؟

عندها انفرجت شفتا هوتارو عن ابتسامة صغيرة، شجعت الشاب على متابعة كلامه:

– سأعرفك بنفسي أولا، كما ترى فأنا أعيش في هذه الشقة الصغيرة لوحدي، إذ أن أهلي يقيمون في مدينة أخرى، وقد انتقلت مؤخرا بسبب طبيعة عملي، إذ أنني أعمل في مجال الترجمة وتداول العملات

فعلق هوتارو:

– هكذا إذن، هذا يفسر معرفتك بلغتي..

فابتسم الشاب مؤكدا:

– بالضبط..

ثم تابع كلامه بمرح:

– أظن أن علي أن أبدأ بالاسم أولا أليس كذلك! سأفقد أي وظيفة أتقدم إليها إن بدأت بالتعرييف بنفسي هكذا!!

فضحك هوتارو وقد بدأ يألف الشاب، وكأنه صديق قديم التقاه بعد فترة غياب طويلة، فيما تابع الشاب كلامه:

– اسمي محمد، وهو اسم مألوف جدا في بلادنا..

فأكد هوتارو كلامه:

– أجل لقد لاحظت ذلك فعلا، لقد سمعت هذا الاسم كثيرا منذ وصولي إلى هنا..

فقال محمد:

– هذا لأنه اسم رجل عظيم جدا نؤمن برسالته، غير أن القلة هم من يحفظون لهذا الاسم مكانته..

وتابع وهو يغمزه بعينه:

– وأنا أحاول أن أكون منهم..

كانت تلك البداية المشجعة، كفيلة بجعل هوتارو يتخفف قليلا من همومه، فانفرجت اساريره أخيرا، ليخبر محمد بكامل قصته، ولم يكد ينهي كلامه حتى لاحظ تغيرا كبيرا في وجه محمد، والذي استحال إلى اللون الاحمر من شدة الغضب، مما أربك هوتارو قليلا، وأثار حفيظته، فشعر ببعض القلق، وهو يحدث نفسه:

– ماذا لو كان هذا الشاب متآمرا معهم، أو فردا من تلك العصابة!!

غير أن محمد سرعان ما انتبه لذلك، فطمأنه بقوله:

– لا تقلق، فقد جئت في وقتك تماما، هذا بالفعل من حسن تقدير الله في الامور

لم يفهم هوتارو المقصود بالجملة الاخيرة، غير أن محمد تابع كلامه موضحا:

– اسمعني جيدا، فهذا سر لم أبح به لأحد من قبل.. منذ فترة وأنا أتتبع عصابة شعرتُ بنشاطاتها الخطيرة التي بدأتُ ألاحظها في بلادنا، فهي تسعى لإغواء الشباب والرجال، من أجل نهب أموالهم، فبدؤوا بإحضار الفاتنات من كل مكان، لاستغلالهن في هذا العمل الشنيع، إنها جريمة أخلاقية من كافة الجوانب لا يمكن السكوت عنها..

لم يستطع هوتارو احتمال سماع ذلك فصرخ وهو ينتفض بغضب:

– مجرمون، أوغاد، لن أسمح لهم بمس شعرة من هينامي..

فهدأه محمد بقوله:

– سأبذل جهدي لمساعدتك، ومن خلال تحرياتي السابقة عرفت أن من المشتركين في هذه الجريمة، رجل صاحب نفوذ كبير في البلاد، مما يعني صعوبة الوصول إليهم، ولكنني بالامس فقط، تمكنت من العثور على مخبئهم الذي يستقبلون به ضحاياهم الجدد..

فنهض هوتارو وقد شعر بطاقة نارية تجري في عروقه:

– خذني إلى هناك بسرعة.. أرجوك

***

 مرت اللحظات بصعوبة شديدة على نفس هوتارو، وهو يتخيل في كل لحظة ما يمكن أن يحل بهينامي، فيما كان يراقب ذلك المنزل بصمت مع محمد، والذي أرشده إلى أفضل خطة يمكن اتباعها من أجل النجاة بخطيبته…

وأخيرا استعد هوتارو لتفيذ دوره بعد أن أعطاه محمد شارة الانطلاق، فالتقط نفسا عميقا، ومشى بخطوات ثابتة نحو الباب الكبير، بلباسه الأنيق، وهو يحمل حقيبة سوداء فاخرة، من النوعية نفسها التي يحملها كبار رجال الأعمال عادة. وقف قليلا يراجع دوره بحذر؛ قبل أن يقرع الجرس، ثم انتظر لحظة أو لحظتين، حتى سمع صوت جلبة عند الباب، ليفتحه له خادم استقبال في لباس رسمي من الدرجة الاولى، وبعد أن رمقه الخادم بنظرة فاحصة سريعة، لم يشك فيها لحظة واحدة أنه رجل أعمال من الطراز الأول، سأله بأدب:

– عفوا.. هل من خدمة يا سيدي؟

تظاهر هوتارو بأنه لم يفهم لغة الرجل، فأبدى استنكارا واضحا وهو يتابع بلغته:

– أخشى أنني أخطأتُ العنوان، فقد أخبرني صديقي سيتيكاوا أن لديكم فتاة حضرت مؤخرا، وسترضيني جدا خلال فترة اقامتي القصيرة في هذه البلدة..

لم يكد الخادم يسمع اسم (سيتيكاوا) حتى أبدى اهتماما واضحا بالزائر، وهو يدعوه إلى الداخل معتذرا بلطف، وبلغة هوتارو نفسها:

– أرجو المعذرة، لم أكن أعلم أنك صديق السيد سيتيكاوا شخصيا..

قال الخادم جملته وهو يقوده إلى صالة استقبال ذات أثاث فاره جدا، وبعد أن استقر هوتارو في مقعد وثير، انحنى الخادم نحوه بأدب قبل أن يسرع بالذهاب قائلا:

– أرجو أن تمنحني بضع دقائق سيدي ريثما أعود..

ومع اختفاء الخادم؛ تنفس هوتارو الصعداء، محدثا نفسه:

– من الجيد أن معلومات محمد كانت دقيقة بهذا الشأن، أرجو أن تمر بقية الامور على خير..

أما محمد الذي كان يراقب المنزل عن كثب، تحسبا لأي طاريء، فقد أثارت انتباهه، أصواتٌ هامسة على مقربة منه، فحبس أنفاسه، وسكن في مكانه بين أغصان الشجرة الملتفة، التي اتخذ منها مكمنا له، وحاول ارخاء سمعه قدر المستطاع، حتى تمكن من تمييز بعض الكلمات بلغة اجنبية أخرى غير لغة هوتارو، فحدث نفسه، وقد استشاط غيظا، وهو يتذكر تلك اللغة::

– توقعت أن تكون عصابة متعددة الاجناس، ولكن كيف لم يخطر ببالي أن يكون هؤلاء الأوغاد ضمنهم!! ما الذي أتى بهم إلى بلادنا!! كان علي أن أعرف أن لهم يدا في هذا الأمر البغيض!!!

وحاول التركيز أكثر فأكثر، إلى أن استطاع تمييز صوتين لرجلين يدور بينهما حوار سري للغاية على ما يبدو، كان أحدهما يقول لصاحبه:

– أنت تعلم أن المال ليس هدفا رئيسا لدى قيادتنا العليا؛ لذا لا بأس من زيادة حصتنا منه؛ ما دمنا نحقق هدفهم الأساسي، ولن يلاحظ أحد أبدا عمليات الاختلاس هذه؛ فسنجريها بطريقة منظمة، وستساعدني – بخبرتك- على ذلك..

فرد عليه الاخر:

– ولكن إن كُشِف أمرنا فسنفقد ثقتهم إلى الابد، وربما نلاقي ما هو أسوأ بكثير!

فأجابه بنفاد صبر:

– لا تكن أحمقا، فنحن لسنا وحدنا في المنظمة على أية حال، وهدف القيادة اكبر بكثير من مجرد الحصول على المال كما أخبرتك، ولا أظنك تجهل حقيقة ذلك بالفعل! هل نسيت آخر لقاء لنا معهم؟ لقد كانوا سعداء جدا بالنتائج التي حصدناها، فالعديد من شباب هذه البلاد باتوا منغمسين تماما في بحار الرذيلة، ولن يعودوا للتفكير مجددا باستعادة أمجادهم السابقة، مما يعني زيادة فرص دولتنا في بسط سيطرتها عليهم، حتى لا تقوم لهم قائمة أبدا بعد ذلك..

بدا على الرجل الآخرالاقتناع بكلام رفيقه فعلا، غير أنه قال بعد فترة صمت:

– ولكن ماذا عن السيد ضرار؟ لا أظنه يقاسمهم هذه الاهداف، لا سيما وأن هذه البلاد بلاده!

فطمأنه رفيقه:

– لا تُشغل بالك بهذا الرجل الدنيء، فرغم أنه وزير كبير في هذه البلاد، إلا أن شراء سكوته- إن كَشَف أمرنا- لن يكون صعبا! وفي أسوأ الاحوال قد نضطر لرشوته ببعض المال، فهذا هو أكبر همه!

كان محمد يستمع لهما بصمت قاتل، وهو يحاول جاهدا كبت أنفاسه الغاضبة من الانفجار، غير أن بعض الاصوات المحتدة التي صدرت من جهة المنزل، أعادته إلى رشده، وقد أدرك ما حدث:

– لا شك أن هوتارو فقد السيطرة على نفسه في اللحظة الأخيرة، ولا يمكنني أن الومه!

وبسرعة عزم أمره على التدخل، وهو يرى الرجلين يهرعان ناحية المنزل..

****

لم يستطع هوتارو السكوت أكثر، بعد أن أثار ذلك الرجل حفيظته، فبدلا من أن يحضر له هينامي حسب ما هو متوقع، وجد أمامه فتاة أخرى، أحضرها الخادم معه، فيما تابع الرجل كلامه قائلا:

– أرجو المعذرة، فحتى لو كنت صديق السيد سيتيكاوا المقرب، إلا أن تلك الفتاة التي وعدك بها؛ قد حُجزت لشخص ذا نفوذ كبير ولا يمكننا تجاوزه بأي حال أبدا، مما يعني أن تلك الفتاة لن تتمكن من قضاء الليالي القادمة معك، لذا يمكنك حجزها للاسبوع القادم، وأظن أن السيد سيتيكاوا سيتفهم ذلك بلا شك! ثم إن هذه الفتاة جيدة أيضا، وسترضيك بلا شك!

كان ذلك أكثر مما يحتمل هوتارو سماعه، فانفجر غاضبا، مسددا لكمة قوية بقبضته كادت أن تستقر في وجه الرجل أمامه، غير أنه تفاداها بمهارة فائقة، فيما كان هوتارو يصرخ بغضب:

– هينامي ليست للعبث أيها الأنذال، ولن يحلم أي وغد منكم بمس شعرة منها..

وبسرعة التف هوتارو على نفسه؛ ليعاود الانقضاض على ذلك الرجل، الذي أشار لخادمه ببعض التعليمات، فانسل خارجا بسرعة، فيما اشتبك هوتارو مع الرجل الذي انضم له رجلين آخرين، وقد بدا كوحش هائج يستحيل ترويضه!

في ذلك الوقت لم يجد محمد بدا من التسلسل خلسة عبر أحد النوافذ، مستغلا تلك الجلبة في الأسفل التي أحدثها هوتارو، وأسرع نحو الطابق العلوي الذي خمن وجود هينامي فيه، وهو يدعو في سره أن يجدها بسرعة، رغم أنه لا يعرف شكلها! ولم يكن بحاجة للمزيد من التفكير، إذ لفت انتباهه رجلين يجريان بسرعة نحو غرفة محددة، قال أحدهما للآخر:

– هل أنت متأكد أن هذا هو مفتاح الغرفة؟ أخشى أن نتأخر في هذه الفتاة إلى المخبأ الاخر بسرعة، قبل أن يأتي أحد معاوني ذلك الزائر الغريب!

– اطمأن سيكون كل شيء على ما يرام، فالخادم دقيق جدا في تنفيذ مهامه، ولم يحدث أن أخطأ مرة واحدة من قبل

اختبأ محمد خلف أحد الزوايا بهدوء، منتظرا اللحظة المناسبة، حتى إذا ما دلف الرجلان عبر الباب، بعد فتحه بمفتاحه خاص، انقض عليها من الخلف بسرعة مباغتة، انقضاض الصقر على فريسته، دون أن يترك لهما فرصة التفكير بأدنى حركة للمقاومة، فعاجل الأول بضربة على رأسه أفقدته صوابه، اتبعها بركلة احترافية أسقطت الاخر أرضا، ليَسقط الرجلان فاقدي الوعي دون حراك، فيما انكمشت هينامي على نفسها في زاوية الغرفة، وقد هالها المشهد المفاجيء، وما أن وقعت عينا محمد عليها؛ حتى راعه جمالها الساحر لوهلة، غير أنه سرعان ما صرف بصره عنها، وهو يناولها رداءه الذي استخدمه للتخفي، قائلا لها بلغتها مطمئنا:

– آنسة هينامي، أرجو منك الالتحاف بهذا الرداء بسرعة، حتى نتمكن من الهرب من هنا، فخطيبك هوتارو بانتظارك..

لم تكد هينامي تسمع اسم هوتارو، حتى تهلل وجهها فرحا، فهتفت:

– هل جاء هوتارو هنا حقا! أين هو الان؟؟

غير أن محمد أدار لها ظهره قائلا:

– ستعرفين كل شيء لاحقا، فلا وقت لدينا الان، لذا أرجو منك أن تتمسكي بي جيدا، إذ أننا سنضطر للقفز من النافذة..

ودون تردد أسرعت هينامي لتنفيذ أمره، بعد أن سمعت صوت اقتراب خطوات مسرعة نحو الغرفة، فلفت ذراعيها حول رقبته من الخلف، بعد أن التحفت بردائه تماما حتى لم يعد يظهر منها شيء، فيما أسرع محمد بإحكام رباط حول وسطهما حتى بديا كجسد واحد، وهو يقول معتذرا:

– أرجو المعذرة فلا خيار آخر لدي، جميع المخارج ستكون محاصرة تماما، وهناك سبع رجال في هذا المنزل على الأقل، ولا مجال للمخاطرة..

ورغم الخوف الذي تسلل الى قلب هينامي؛ من رؤية ذلك الارتفاع تحت النافذة، إلا أن أن ثقة محمد بقدرته على فعلها، أشعرتها ببعض الطمأنينة، وفي اللحظة التي دلف فيها رجلين آخرين إلى الغرفة، كان محمد قد قفز من النافذة- دون أن يترك خلفه أدنى أثر- نحو غصن شجرة باسقة، يبعد عنه ثلاثة أمتار، والذي انحنى تحت وطأة ثقلهما المفاجيء، فانتقل منه إلى غصن آخر قبل أن ينكسر، في حركة متتالية لتوزيع الحمل، فيما كان يحاول التركيز على أفضل وضعية للهبوط، دون أن تتأذى هينمامي الملتصقة بظهره، والتي آثرت إغماض عينيها خلال تلك الوضعية الخطرة!

 وأخيرا تمكن محمد من الهبوط بسلام على قدميه، ليحل رباطه بهينامي، منطلقا معها في جري سريع، وهو يتخذ من الأشجار غطاء لهما، قبل أن يلحق بهما أحد..

أما هوتارو الذي دخل في اشتباك عنيف مع ثلاثة رجال دفعة واحدة، فقد كان على وشك السقوط أرضا أمام ضربة كادت تفقده صوابه، لولا دخول الخادم الذي صرخ معلنا:

– لقد اختفت الفتاة يا سيدي! واثنين من رجالنا فقدوا الوعي!!

فصرخ الرجل الذي بدى السيد هنا، بغضب شديد:

– إلا هذه!!!! كيف سمحتم بذلك أيها الحمقى! أين بقية الرجال؟؟؟؟

وهرع إلى الخارج بعد أن أعطى تعليماته بمحاصرة المكان، صائحا بالجميع:

– لا يمكن أن تكون قد ابتعدت كثيرا، إياكم وأن تسمحوا لها بالهرب، وإلا لقيتم حسابا عسيرا من السيد الكبير..

أما هوتارو الذي وقف مشدوها للحظات، يحاول استيعاب ما يجري، فقد  ارتكز إلى قطعة أثاث قبل أن يهوي على الأرض، إذ لم يكن ممن اعتاد الدخول في اشتباكات عنيفة مع الاخرين، ولم يكن يعرف كيف تدفقت في عروقه تلك القوة المفرطة، التي مكنته من مواجهة ثلاث رجال معا! التقط نفسا عميقا يحاول من خلاله استعادة بعض طاقته المستنزفة:

– لا شك أن محمد قد فعلها، أرجو أن تكوني بخير يا هينامي..

ولكن ماذا عليه أن يفعل الان! بالتاكيد عليه الخروج من هنا على الأقل!! لقد كان الاتفاق أن يعود هو بصحبة هينامي إلى منزل محمد، وهناك يقومان بتدبير بقية الامور، ولا شك أن محمد قد اصطحب هينامي إلى منزله الان إن نجح بالفرار، وعليه اللحاق بهما فورا..

كان ذلك هو ما دار بذهن هوتارو، وقبل أن يهم بالخروج من المنزل، اعترضه رجلان بابتسامة متشفية:

– هل تظن بأنك ستخرج من هنا بسهولة بعد كل ما حدث، عليك أن تدفع الثمن أولا أيها السيد المحترم!!

***

استطاع محمد مراوغة مطارديه، وعبور منطقة الخطر بصحبة هينامي بسلام، إلا أنه لم يتوقف أبدا، إلى أن دلف إلى منزله متنفسا الصعداء، فيما ارتمت هينامي على الأرض تلتقط أنفاسها اللاهثة بصعوبة، لكنها سرعان ما التفتت نحوه بعيون متسائلة:

– أين هوتارو؟؟؟؟

***

كان هوتارو قد استنفذ جهده كاملا، خلال محاولاته اليائسة لفك وثاقه المحكم، في تلك الغرفة المظلمة، فسكن في مكانه يلتقط أنفاسه المحطمة، ويستعرض ما حل به وبخطيبته التي أحبها من أعماق قلبه، وكان على وشك اتمام زواجه بها خلال أيام قليلة!! فتنهد بألم شديد، ومرارة البؤس تعتصر فؤاده:

– هل تمكن محمد من انقاذها فعلا!!

عندها لاحت أمامه صورة أسوأ بكثير من كل ما قد يخطر بباله، فهز رأسه بعنف يحاول طرد تلك الفكرة منه، إلا أن تلك الفكرة القاتلة أصرت على التمثل أمامه بإلحاح شديد، كخنجر مسموم اخترق قلبه:

 – ماذا لو.. لو فكّر محمد بهينامي!! إنه شاب يافع وقوي، ووسيم أيضا.. ماذا لو.. لو وجد فيها فتاته المنشودة، وهو يعلم أنني لن أتمكن من النجاة من بين يدي هؤلاء المجرمين!!!!! سيكون ذلك.. سيكون سهلا جدا بالنسبة له!!

إلا أن فكرة أخرى، أخذت تصارع تلك الأفكار باستماتة، وهو يحاول التمسك بها بيأس شديد:

– كلا.. لا يمكن لمحمد أن يفعلها أبدا، فهو يحمل اسم رجل عظيم كما أخبرني، ولا يمكن للرجل العظيم أن يخون من ائتمنه مهما حدث..

***

في ذلك الوقت كان محمد قد تمكن من تحديد وضع هوتارو، أثناء عودته لمراقبة المنزل بصمت، بعد أن طلب من هينامي انتظارهما في منزله ريثما يعودان، وكان قد طمئنها بقوله:

– هوتارو يبذل جهده من أجلك، وستجدين حقيبته في تلك الغرفة، فلا تقلقي.. قد نتأخر قليلا ولكننا بالتأكيد سنعود إن شاء الله، لذا تصرفي وكأنك في منزلك، ولا تقومي بالرد على أحد خلال فترة غيابنا..

وفي اللحظة المناسبة تماما، وخلال اقتياد الرجال لهوتارو نحو العربة لنقله إلى مكان آخر؛ باغتهم محمد بقنبلة دخانية، اربكتهم قليلا، مما أكسبه بعض الوقت لتنفيذ خطته المحكمة، والتي تعتمد بشكل كبير على الدقة وعنصر المفاجأة وسرعة التنفيذ، ولم يشعر هوتارو – الذي أعماه الدخان هو الآخر- إلا بيدين تحلان وثاقه بمهارة، لتقوده بسرعة بعد ذلك خارج المجموعة، وقبل أن يتمكن الرجال من استعادة رباطة جأشهم، وسط صراخهم وتهديدهم المتوعد، كان هوتارو قد اختفى تماما عن الانظار بصحبة محمد..

****

لم يصدق هوتارو عينيه وهو يرى هينامي أمامه، بعد تلك المحنة القاسية، وبينما غرق الاثنان في عناق طويل، تبلله الدموع، استدار محمد بتأثر شديد، لينسل خارج المنزل بهدوء، فقد كانت أمامه بعض الأمور الضرورية وعليه إنجازها بسرعة..

أخذ هوتارو يستمع باهتمام شديد لما روته له هينامي، حول ما لاقته خلال الأيام الماضية، وهو يشعر بالغيظ تارة من اولئك المجرمون، والألم تارة أخرى على فتاته الرقيقة، التي لم تعتد تلك المعاملة الوحشية، حتى إذا ما ذكرت له ما حدث معها ومع محمد، شعر بامتنان شديد نحو ذلك الشاب الشهم، خاصة وهي تعبر عن ذلك بقولها:

– لقد شعرت بأنه أخٌ حقيقي، بل لقد كان كذلك فعلا، لقد كان عفيفا لأبعد درجة، وهذا ما لم أجده في أي شاب آخر من قبل!!

  عندها انتبه هوتارو لغياب محمد، فالتفت نحو هينامي متسائلا:

– ترى أين ذهب؟؟

فهزت رأسها في حيرة:

– لا أدري، فأنا لا أعرف عنه أكثر مما حدثتك به!!

ولم يطل تساؤلهما كثيرا، إذ سرعان ما عاد محمد، وهو يحمل في إحدى يديه تذكرتي سفر، وفي اليد الأخرى سلة طعام بدى ساخنا وجاهزا للأكل، قائلا:

– أرجو المعذرة إن قطعت حديثكما، ولكن من الأفضل أن تغادرا هذه البلاد بسرعة، قبل أن يتمكن المجرمون من الوصول إليكما بطريقة أو بأخرى، وقد استطعت بفضل الله حجز تذكرتين لكما على متن السفينة التي ستغادر خلال ساعتين من الآن.. العربة جاهزة، فهل أنتما مستعدان للذهاب؟

عندها ترقرقت دمعات في عين هوتارو لم يتمكن من حبسها، وهو يشد على يد محمد بامتنان شديد:

– لا أعرف كيف سأشكرك يا صديقي، لذا أرجو أن تقبل مني على الأقل ثمن التذاكر، فهذا كثير جدا علي!

غير أن محمد غمزه باسما:

– ألم أخبرك بأنني أحمل اسم رجل عظيم!! ومن واجبي إكرام ضيفي، لذا لا داعي لشكري أبدا، بل أنا من عليه شكرك لإتاحتك هذه الفرصة لي..

***

صعد المسافرون، ورُفعت الالواح الخشبية، وانتشرت الأشرعة، وعلا صفير المدخنة، وهي تنفث أبخرتها منذرة بالرحيل، لتشق السفينة طريقها بعد ذلك، وتمخر عباب الماء..

 وقفت هينامي إلى جانب هوتارو، الذي ظل يحدق في نقطة محددة، بدأت تتلاشى عن ناظرية تديجيا مع ابتعاد السفينة، فوضعت يدها على كتفه:

– لا زلت شاردا يا هوتارو، فما الذي تفكر به يا عزيزي؟

فانتبه هوتارو إلى نفسه، والتفت إليها بابتسامة مُحِبة:

– كنت أفكر بطفلنا القادم..

فاحمرت وجنتا هينامي، وأسندت رأسها على كتفه بمحبة، فيما تابع هوتارو كلامه، وهو يحيط كتفيها بذراعه، مانعا شعرها المنسدل على ظهرها من التطاير مع لفحات النسيم العذبة:

– هل تمانعين يا حبيبتي في أن نطلق عليه اسم (محمد)؟

عندها رفعت هينامي رأسها تتأمله بدهشة، قبل أن تقول باسمة:

– هل تصدق أن هذه الفكرة قد خطرت ببالي فعلا، لولا أن الاسم سيبدو غريبا في بلادنا، ثم إننا لا نعرف الكثير عن هذا الشخص العظيم الذي اتخذه صديقك قدوة له!

فأجابها هوتارو:

– يكفي أننا التقينا برجلٍ عظيمٍ، يحاول السير على نهجه! وأريد لابننا أن يصبح رجلا عظيما..

وصمت هنيهة قبل أن يضيف:

– إن شاء الله..

فسألته هينامي بتعجب:

– ما الذي تعنيه هذه الجملة؟؟

فأجابها هوتارو وهو يتأمل أطلال الميناء أمامه:

– لا أدري، ولكن محمد كان يستخدمها كثيرا، وأظنها تجلب الحظ الجيد..

فأومأت هينامي برأسها موافقة:

– أجل تذكرت، لقد سمعته يقولها أيضا، إنها جملة تجلب الحظ الجيد بالتأكيد..

وقبل أن يضيف أي منهما كلمة أخرى، انتبها إلى عامل السفينة، الذي قدم نفسه لهما معتذرا بأدب:

– أنت السيد هوتارو أليس كذلك؟

فأومأ هوتارو برأسه إيجابا، فتابع العامل كلامه وهو يقدم له طردا مغلفا:

– لقد ترك أحدهم لك هذا قبل أن تغادر السفينة الميناء، وأرجو منك التوقيع على استلامه هنا لو سمحت..

 فتبادل هوتارو مع هينامي نظرات متسائلة، قبل أن ينفذ ما طلبه العامل منه، ثم قرأ بصوت مرتفع، ما كُتب على البطاقة الملصقة على المغلّف، لتسمعه هينامي:

” العزيزين هوتارو وهينامي..

أدعو الله أن يرزقكما الحياة السعيدة، في الدنيا والاخرة، وأهنئكما مقدما بزواجكما، راجيا أن تتقبلا هديتي لكما بهذه المناسبة، فهي تعني لي الكثير..

محمد “

وبلهفة شديدة أسرع هوتارو بفتح المغلف، ليظهر أمامه كتاب مترجم بلغته، تركزت عليه أنظاره مع هينامي، وهما يقرآن معا عنوان الكتاب:

سيرة الرجل العظيم، خاتم الأنبياء والمرسلين، وخير خلق الله أجمعين

محمد

صلى الله عليه وسلم

*******

وعلى قمة مرتفعة تطل على البحر، وقف محمد يتأمل مشهد السفينة العملاقة، وهي تتوارى خلف الأفق، بسعادة يشوبها الألم، لما آلت إليه حال بلاده، مستشعرا عِظَم المسؤولية الملقاة على عاتقه، في نشر الوعي بين شباب أمته، والتصدي لتلك المخططات الآثمة التي تستهدفهم، فدمعت عيناه، وردد قلبه:

– يارب.. لا حول ولا قوة لنا إلا بك، فاحفظ أمة حبيبك ونبيك سيدنا محمد من الشرور والفتن، ما ظهر منها وما بطن، وردنا إليك ردا جميلا، وارزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، واجعلنا ممن تقوم على أيديهم نهضة هذه الأمة..

****
النهاية

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

Tags: No tags

One Response

إضافة تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني *الحقول المشار لها بنجمة هي حقول إلزامية