تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 53

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

لم تستطع سوسن ايقاف نفسها عن البكاء منذ أن أُجبرت على ارسال تلك الرسالة، لم تتخيل أن تصل بهم الدناءة إلى هذا الحد، لم تكن لتستسلم بسهولة، ظلت صامتة رغم كل محاولات ذلك الرجل الذي ارتدى ثياب اللطف فجأة، غير أنها لم تتوقع أن ينقلب المشهد هكذا!

فبعد إصرارها على الصمت، قال الرجل الذي أسقطها أرضاً، بنفاد صبر:

– لن أبقى طوال عمري أشاهد هذه المسرحية الهزلية، يمكنك أن تتصرف معها بطريقتك، أما أنا فلا يمكنني الاحتمال أكثر..

قال كلمته تلك واتجه نحو الباب ليخرج، فالتفت إليها الرجل الآخر بابتسامة مقززة:

– والآن يا جميلتي، يمكننا التفاهم بهدوء، دعيني أولاً أطمئن على إصابتك، أرجو أن لا يكون ذلك الوغد قد آلمك..

وقبل أن يضع يده على جسدها- بعد أن أصبحا وحدهما في القبو- قفزت من مكانها صارخة بأعلى صوتها، وهي تحاول الهرب:

– ابتعد أيها الوقح، إياك أن تقترب أكثر..

فجذبها من كمها قائلاً:

– عليك أن تدركي أنه لا خيار أمامك..

فيما أخذت تحاول تخليص نفسها منه، وهي تصرخ باستماتة:

– اتركني..

عندها عاد الرجل الأول أدراجه هازئاً:

– كأنك تطلبين النجدة، وقد كان بإمكانك تلافي هذا كله..

ثم قال بلهجة جازمة:

– يمكنني أخذ هذا الوقح معي لنخرج من هنا، ونتركك وشأنك؛ إن نفذتِ الطلب بهدوء..

لا تدري سوسن كم ساعة مرّت عليها، وهي تقاسي آلام هذه المهانة، فقد استسلمت في النهاية ونفذت الطلب، ولا تدري كيف سيكون حال والدها الآن!

ما هو الجرم الذي ارتكبه، لكي تتهمه هكذا!

بكت بحرقة، وودت لو تخبر والدها بثقتها فيه، وندمها على تفوهها بتلك الكلمات القاسية..

أرجوك سامحني يا أبي.. فلم يكن بيدي حيلة أبداً..

يارب.. استرني وارحم ضعفي..

وشعرَت بوهن شديد في أرجاء جسدها، لم تستطع معه الصمود في وضعية الجلوس أكثر، فهَوى جسدها على الأرض، كقطعة قماشٍ فُصِلَت عن محور الارتكاز..

**

ألقى رئيس المباحث- السيد تامر عماد- أوامره على أتباعه بصرامة، مشدداً على تعليماته التي لا تقبل الجدل، لضبط الأمن في المنطقة.. فقد كانت الجماهير مكتظة أمام المنصة، التي سيعتليها المرشح المحبوب أخيراً، ليلقي كلمته قبل استلام مهامه رسمياً، ولظروف أمنية بحتة- كما أُعلن- تأخر وصوله عن موعده المحدد..

ولم يكن صبر الجماهير، ولا صبر القنوات الأخبارية التي تبث الحدث مباشرة؛ ليستمر طويلاً، إذ بدأت التحليلات السياسية، تأخذ دورها على الساحة..

وأمام دهشة الجميع، اعتلى نائب الحاكم العام- السيد وائل رفيق- المنصة، ليفض الجدل باقتضاب:

– يعتذر معالى رئيس الوزراء، السيد كارم بهاء، عن القاء الكلمة لهذا اليوم، لوعكة صحية طارئة المّت به.. شاكِراً لكم دعمكم ومساندتكم.. ويطمئنكم بأنه سيكون بخير، وأهلاً لثقتكم..

**

كان الممر المؤدي للقبو ساكناً، إلا من أصوات خطوات الرجلين، عندما سأل أحدهما صاحبه:

– هل تظن بأن السيد سيسمح لنا باللهو قليلاً إن ما نجحت مهمته؟

– نلهو أو لا نلهو، بعد تنفيذ المهمة لن يكون بيننا أي التزام.. أنت تعرف الشرط..

– لا أقصد هذا أيها الأحمق، كنتُ أعني..

وصمت بخبثٍ فهمه الآخر، فعلّق بابتسامة ماكرة:

– عينك على الفتاة إذن، كان السيد محقاً بتكليف رجلين منا في مهمة الحراسة والمراقبة، ولا أدري كيف ستكون ردة فعله؛ لو عرف بما هممتَ بفعله البارحة!

فأجابه الآخر مدافعاً عن نفسه:

– وهل نسيت نفسك! لقد كدتَ تقضي عليها بتهورك!!

كانا قد وصلا الباب، فهمس أحدهما للآخر، قبل أن يدلفا للداخل:

– دعنا نتمنى أن نأخذ منها التسجيل الثاني بسلام هذه المرة، فمزاج السيد متعكر أكثر من المعتاد..

غير أنهما فوجئا برؤية سوسن ممددة على الأرض بلا حراك على غير العادة، إذ كانت سرعان ما تنكمش على نفسها بوضعية الجلوس، كلما سمعت صوتهما! والأدهى من ذلك، أنها لم تستجِب لهما بأدنى حركة، رغم كل الضوضاء اللتي أحدثاها بصراخهما وحركة أقدامهما..

فاقتربا منها أخيرا، وتجرأ أحدهما على هزها بيد، لكنه سرعان ما التفت إلى صاحبه، مُخبِراً:

– كأنها على وشك الاحتضار، أظنها غائبة عن الوعي، فحرارتها عالية جداً، وثيابها متعرقة، ما العمل؟؟

فارتبك الآخر:

– علينا إخبار السيد حالاً، فهذا خارجٌ عن الخطة!

فقال له صاحبه:

– إذهب بسرعة إذن، فقد تموت الفتاة في أية لحظة…

عندها هرع الرجل إلى الأعلى، فيما بقي صاحبه إلى جوار سوسن، وهو يفكر بالجائزة التي سيحصل عليها في النهاية..

أخذ يتأملها بهدوء..

فرغم كل شيء.. كانت لا تزال جميلة!

– ربما سأفكر بالتنازل عن جائزتي، لو سمح لي السيد باللهو معها قليلاً..

ومع تلك الفكرة التي طرأت على ذهنه، اقترب منها أكثر ووضع يده على رأسها هامّاً بنزع الحجاب عنه، لكن يده تجمدت في مكانها؛ إثرَ ذلك الصوت الآمر الذي اخترق صمت المكان فجأة:

– توقف!

فنهض الرجل على قدميه بسرعة، ملتفتاً للوراء، وهو يردد بذهول:

– السيد!!

ثم تلعثم معتذِراً:

– كنتُ أحاول مساعدتها على التنفس فقط، فأنفاسها ضعيفة جداً..

لكن تلك النظرات الصارمة ألجمته تماماً، فالتزم الصمت، فيما اقتربت خطوات السيد أكثر، نحو الفتاة الممددة على الأرض..

وإذ ذاك فتحت سوسن عينيها بصعوبة، لتقعان على وجه شابٍ بدا مألوفاً لها بطريقةٍ ما، أو هذا ما خُيّل إليها في تلك اللحظة الضبابية، فرددَتْ بوهن:

– أيهم!

وغامت الدنيا في عينيها مجدداً، وقد شعرت بذراعين قويتين تحملانها، ليتأرجح جسدها المنهك بعد ذلك في الهواء..

**

قُضيت صلاة الجمعة، في الجامع الكبير وسط المدينة، وبدأ المصلون بالخروج ليلتحقوا بأعمالهم، أما عامر فقد وجدها فرصة مواتية للتعرف على المسلمين في هذه المدينة الأجنبية، فتبادل الحديث مع من بقي منهم في المسجد، يسألهم عن أحوالهم، وعن طبيعة الحياة في هذه المدينة، إذ لم يكن قد وجد فرصة مواتية لذلك من قبل، ومن كرم الله عليه؛ أن تمكن من ترتيب جدول دوامه ومناوباته، بطريقة يحصل فيها على إجازة يوم الجمعة..

قال أحد الرجال- ويُكنى بأبي سمير:

– أنتَ لم ترَ شيئاً بعد، الفساد هنا كبير جدا يا أخي، فالنساء شبه عاريات، والعياذ بالله، والإغراءات كثيرة.. ولا أبالغ إن قلتُ بأنني أتوقع أن يحل سخط الله على هذه البلاد في كل لحظة..

فسأله عامر بتعجب:

– ولماذا تعيش هنا حتى الآن!

فتنهد أبو سمير بأسى:

– الضرورة، فالحروب الدامية في بلادي ألجأتني للانتقال إلى هنا، لقد خشيتُ على أولادي من القتل.. أما الآن فقد أصبحتُ أخشى على بناتي من الفتن.. لا يمكنك أن تتخيل كم بتّ أخشى من العار كلما نظرتُ إليهن، حتى أنني فهمتُ لمَ وأد العرب بناتهن قبل الاسلام.. فالنار ولا العار..

وقبل أن يرد عليه عامر بشيء، انضم إليهما خطيب الجمعة، بعد أن استأذنهما- وكان قد رحب بعامر سابقاً- ثم استأنف الحديث، الذي سمع طرفاً منه مؤكداً:

– للأسف ترى بنات المسلمين أيضاً يصادقن الرجال دون حياء، بل أصبحنَ يتطاولنَ على الدين بكل جرأة؛ كلما ذكرهن المذكّر بالوعيد الشديد الذي ينتظرهن من الله، شديد العقاب..

فسأله عامر باهتمام:

– وماذا عن رجال المسلمين هنا، هل هم على قدرٍ كبير من الاستقامة؟

فهز الخطيب رأسه بحسرة:

– وأنّى لهم ذلك والفتن تحيط بهم من كل جانب؟ أعرف رجلاً رافقني من بلادي، إذ تم ارسالنا من قبل إحدى المؤسسات الدينية، كي نقوم على أمور هذا المسجد، لكن إحدى الغاويات فتنته حتى أوقعته في الرذيلة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.. صدق رسول الله حين قال “ما تركتُ فتنة بعدي أشد على الرجال من النساء”.. والحمد لله أن الله غفور رحيم..

فعلق عامر بنبرة ذات مغزى، في محاولة للفتِ نظر الخطيب إلى حقيقة بدت وكأنها غابت عنه:

– هذا صحيح.. “اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم”، هذا خطاب للجميع على حد سواء، رجالاً ونساءً..

نظر إليه أبو سمير مستوضِحاً، فيما قال الخطيب:

– هذا معروف ولا أحد يُنكره، فما الذي ترمي إليه؟

فقال عامر:

– أقصد أننا معشر الرجال- ودون أن ننتبه- نخص أنفسنا بالشق الثاني من الآية المتعلقة بالمغفرة والرحمة، فيما نسلط الشق الأول غالباً على النساء..

وقبل أن يُكمل عامر كلامه، قاطعه أبو سمير بنبرة هجومية:

– هل أنتَ من أنصار المرأة؟؟ لقد صدِعوا رؤوسنا يا رجل بشعاراتهم المنادية بحقوقها، وقد سبقهم الاسلام في ذلك منذ أكثر من ألفٍ واربعمائة عام! أما هذه الشعارات الخبيثة، فلا يهدفون منها إلا تحريرها من حيائها ودينها وعفتها، والله المستعان..

فردد عامر:

– نسأل الله العفو والعافية لنا جميعاً..

ثم استطرد قائلاً:

– لا أعتقد بأنه سيكون أثرٌ لهذه الشعارات على نساء المسلمين؛ لو أنهن عرفن حقوقهن التي ضمنها لهن الاسلام! بل لو أنهن حصلن على هذه الحقوق أصلاً، لما التفتنَ إلى غيرها..

فعلق أبو سمير:

– أفهم من كلامك أنك ترى المرأة مظلومة؟

فرد عامر:

– للأسف هذا هو الواقع، ولكن الحديث يطول فيه، أما انتشار الفساد في المجتمعات؛ فيتحمل مسؤوليته الطرفان (الرجال والنساء)، وقد لفتتني مقولة جميلة لأحد المفسرين، خلاصتها أن الله سبحانه وتعالى ضمن حماية المجتمع المسلم من الرذائل، بفرض الحجاب على النساء، وأمر الرجال بغض النظر، فإن أخلّ الرجال بالأمر وأطلقوا أبصارهم، وكانت النساء محجبات؛ لم يكن هناك ضررٌ يُذكر على المجتمع، وإن أخلّت النساء بالأمر وتبرجت، في حين كان الرجال غاضين لأبصارهم، لم يكن هناك أيضاً ضررٌ يُذكر على المجتمع، لكن الضرر الحقيقي يكمن؛ عندما يخل الطرفان بالأمر، مما يعني أن كلا الطرفان يتحملان المسؤولية بالتساوي..

وأظن أننا بحاجة نحن الرجال للتذكير بما علينا فعله، أكثر من توجيه اللائمة على النساء، خاصة في خطب الجمعة، بصفتنا نحن من يحضرها، فإذا لم تمتثل المرأة لأمر ربها، وخضعت بالكلام، فعلينا أن لا نكون من الذين في قلوبهم مرض!

فالمريض الذي يقتنع بأن مرضه خطير لا شفاء منه؛ يقضى على قدرة خلاياه في الاستشفاء الذاتي، أو الاستجابة للعلاج.. وهذه حقيقة علمية، وهكذا..إذا ترسخ الاعتقاد لدى الرجل، بأن المرأة هي المسؤولة الوحيدة عن الغواية، وأنه لا حول ولا قوة له أمامها؛ فسيقتنع عقله بهذه الفكرة، لتستسلم لها خلايا جسده، وتُفقده أدنى شعور بالمقاومة! لذا جاءت الشريعة السمحة، لتعزز الوازع الداخلي، وتنمي القدرة على مقاومة مثل هذه الفتن، دون تجاهل تأثيرها، فكان من السبع الذين يظلهم الله تحت ظله، يوم لا ظل إلا ظله، رجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال إني أخشى الله!

وصمت عامر، بعد أن شعر أنه أطنب في الكلام، فابتسم معتذراً:

– يبدو أنني نسيتُ نفسي..

لكن الخطيب شجعه بقوله:

– أبداً.. كان كلامك مفيداً حقاً، جزاك الله خيراً للتذكير..

أما أبو سمير، فقد صمت مفكراً قبل أن يقول:

– الكلام سهل، ولكن العار الذي يلحق الأهل من بناتهم، لا يعدِله شيء، الحمد لله أن بناتي لا زلنَ صغيرات، لكن القصص التي نسمعها عن البنات هنا؛ يشيب لها الولدان..

فطمأنه عامر بقوله:

– يمكنك تأمينهن بالتقوى..

فبادره أبو سمير بقوله:

– وهذه هي المشكلة، من أين أضمن لهن أن يكنّ تقيّات في هذه البيئة؟؟

فابتسم الخطيب، وقد أدرك فحوى كلام عامر:

– إنه يقصد الآباء بكلامه، ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى ” وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا”

وهز عامر رأسه موافقاً:

– لذا قيل: “عِفّوا تعف نسائكم”.. فمن خشي على بناته ومحارمه، فليتق الله في بنات الناس ومحارمهم، عامل الناس كما تحب أن يُعاملوك، وكما تدين تُدان…

بدا نوعٌ من الارتباك على أبي سمير، فطأطأ رأسه مردداً:

– لا حول ولا قوة إلا بالله..

فبادره عامر بقوله:

– كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، رجالاً ونساءً، ونحن نسأل الله العفو والعافية، فالمرء يظل ضعيفاً- مهما بدا قوياً- إن لم يستعن بربه! ولنا في نبي الله يوسف عليه السلام أسوة حسنة، فعلى جلالة قدره؛ التجأ إلى الله، طالباً العون منه، ومفتقراً إليه، معترفاً بضعفه وجهله، وهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي!!

والتفتَ عامر إلى الخطيب، الذي كان يُصغي باهتمام، فرمقه بنظرة ذات معنى – بعد أن استشف منه روحاً متقبلة مرِحة- وابتسم قائلاً:

– ما رأيك أيها الخطيب؟ ربما نحن بحاجة لخُطَبٍ تقوي عزائمنا معشر الرجال أكثر..

فابتسم الخطيب، وقد فهم تلميحته:

– حسناً.. ستكون خطبة الجمعة القادمة- إن شاء الله- عن الرجال، كما كانت هذه الجمعة عن النساء، فهل يرضيك هذا يا أخي؟

فأشرق وجه عامر بابتسامة عريضة:

– جزاك الله خيراً، فنحن بالفعل بحاجة لذلك.. أسأل الله سبحانه، أن يجعلنا جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه..

وأمّن أبو سمير على دعائه، قبل أن يستأذن بالانصراف، وهو يصافح عامر:

– إن شاء الله نلتقي الاسبوع القادم..

لم يكد أبو سمير يبتعد، حتى شد الخطيب على يد عامر:

– لقد سعدتُ بالتعرف عليك حقاً، وأرغب باستشارتك.. فكما تعلم؛ عدد النساء المسلمات كبير هنا، وربما لا يجدنَ رجالاً يتزوجنهن، لذا ما رأيك بنشر فكرة التعدد بين الرجال، لحل هذه المشكلة؟

فوجيء عامر بما سمعه، كمن أُخِذ على حين غرة، وأمام صمته؛ تابع الخطيب كلامه:

– هل تعرف ذلك الشيخ، الذي ألقى علينا التحية، وهو خارج؟ إن له ابنة قاربت على تجاوز سن الزواج؛ دون ان تعثر على زوج مناسب!

ثم استدرك فجأة:

– ربما تعرفها، ألم تقل بأنك قِدمتِ للعمل في المستشفى المركزي هنا؟ إن ابنة الشيخ تعمل هناك أيضاً، أظن أن اسمها الدكتورة هدى، فزوجتي تراجع عندها أحياناً..

ولسببٍ ما، خفق قلب عامر دون سابق إنذار، وكأن الخطيب شعر به، فتابع قائلاً:

– إذن أنتَ تعرفها بلاشك، هذا جيد، فسيكون هذا مشجعاً للبقية..

لكن عامر سرعان ما استدرك الموقف، قائلاً:

– ومن قال بأنني أريد الزواج بأخرى؟ إنني بالكاد أجِد وقتاً لزوجتى، بل منذ أن أتينا إلى هذه البلاد وأنا أشعر بتقصيرٍ نحوها، فلا أحد لها سواي؛ ومع ذلك فإنني شديد الانشغال عنها، وهي مع ذلك متفهمة لظروفي.. فكيف أجرح مشاعرها، وأُلزم نفسي بأمرٍ فوق طاقتي، ولا حاجة لي به؟

فرد الخطيب بنوع من الامتعاض:

– وماذا عن المسلمات اللاتي لا يجدنَ أزواجاً لهن؟

فأجابه عامر بسؤالٍ آخر:

– وماذا لو لم يستطع الرجال القيام بواجباتهم نحو زوجاتهم؟ الزواج مسؤولية كبيرة، ميثاق غليظ، ومودة ورحمة، والقيام بحقوق الأسرة في ظل ظروف هذا العصر ومتطلباته؛ ليسَ أمراً سهلاً.. أما من شعر برغبة في التعدد، مع قدرته على ذلك، ومعرفته العدل من نفسه؛ فهذا مباح له، وأفضل- بلا شك- من أن يسلك مسلكاً ملتوياً، لا يُرضي الله عنه، ولكن.. عليه تحمل كافة المسؤوليات المترتبة على اختياره، وإلا.. فالحساب لن يكون يسيراً!

تنهد الخطيب بضيق، ولم يخفَ على عامر، تفرّس معالم وجهه، فتابع:

– من أراد أن يعدد- أو لِنكُن أكثر دقة (يرغب في تحديد عدد زوجاته بعد الأولى، بحيث لا يتجاوزنَ أربعة)- لحاجة في نفسه، فعليه أن يكون صريحاً مع ذاته، لا أن يتدثر بثياب المروءة والشهامة لتبرير تصرفه أمام الآخرين، أو أن يتخذ من التدين ذريعة لرغباته..

فأرخى الخطيب عيناه وابتسم:

– جزاك الله خيراً للنصيحة أيها الطبيب..

فشد عامر على يده مصافحاً، وهو يهم بالانصراف:

– لم أكن أقصد النصيحة، فلستُ أهلاً لذلك، ولكنني أحببتك حقاً في الله، وأحببتُ مشاركتك بعض خواطري.. وأسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه إلى الحق بإذنه، فجزاك الله خيراً لسعة صدرك، وتفهمك.. وسنكون بانتظار خطبة الجمعة القادمة، إن شاء الله..

وغمزه عامر باسماً:

– ويا حبذا لو تذكّرنا فيها بحسن العشرة، وواجبات القوامة، فأظن أننا بحاجة لها، أكثر من حاجتنا لإقحام أنفسنا في جبهات أخرى، لم تكن تخطر لنا على بال!

فكما قال الصادق الأمين، صلى الله عليه وسلم:

“خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 52

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

أبدت أمل إعجابها الشديد- في المعرض الدائم للفنون الجميلة- وهي تتأمل اللوحة التي اختارها لها الأستاذ سامر:

– بالفعل إنها رهيبة!!هل هي من الفن السريالي الذي حدثتني عنه؟

أومأ سامر برأسه موافقاً:

– أجل..

لكنها أطلقت آهة صغيرة، قبل أن تعبر عن امتعاضها:

– ما هذا!! إنها باهظة الثمن جداً!! من يستطيع دفع مثل هذا المبلغ!!!

فرد سامر باستياء:

– بل ثمنها معقول جداً، نسبةً للجهد والمضمون والفكرة… إنها إبداع حقيقي.. ثم إنها لوحة أصلية، ولكن العالم العربي لا يقدّر قيمة الفن للأسف!

فأسرعت أمل بالاعتذار قائلة:

– إنني حقاً آسفة، لم أقصد ذلك، ولكن المبلغ فاجأني فعلاً..

ثم استطردت بندم وألم:

– لا أعرف كيف أعبّر لك عن أسفي يا أستاذ، فيبدو أن مثل هذا الابداع؛ لا يناسب الطبقة المتوسطة من الشعب أمثالنا، ويكفيني شرفاً أنني سعدتُ بتلبيتك دعوتي ومرافقتي لتعريفي على هذا العالم الجميل.. إنني حقاً مدينة لك بالكثير..

فقال سامر بتفهم:

– لا بأس، لقد استمتعتُ برفقتك أيضاً، فمن النادر أن نجد من يقدّر القيمة الحقيقية للفن هنا..

واستدرك قائلاً:

– ولكن ماذا عن الجدار الفارغ، هل عدلتِ عن اختيار لوحة مناسبة له؟

فقطبت أمل حاجبيها بتفكير عميق، قبل أن تجيب:

– كلا، فإنني بالفعل محتاجة للوحة أفاجيء بها خطيبي، لكن المشكلة تكمن في الثمن..

ثم هتفت على حين غرة:

– ألا يمكنك أن تطلب يا أستاذ من تلك الرسامة، أو ممن تعرفهم من الرسامين؛ إعداد لوحة مناسبة لي بثمن…

لكنها بترت عبارتها قائلة:

– يا إلهي يبدو أنني قد تجاوزتُ حدودي.. لقد أصبحتُ منفعلة جداً هذه الأيام..

وأرخت عيناها، وهي تتابع بنوعٍ من الحرج:

– قد أبدو لك وقحة بعض الشيء يا أستاذ، ولكنني… لا أعرف كيف أعبر بشكل صحيح… امممم… في الحقيقة إنني أحب خطيبي جداً.. وكنتُ أريد مفاجأته بهدية مميزة…لا أعرف كيف أشرح لك هذا الشعور.. ولكن عندما تحب شخصاً ما، قد تتصرف بشكلٍ غريب أحياناً…لا أدري إن كنتَ فهمتَ قصدي..

وبدا على أمل ارتباك شديد:

– أرجوك تجاهل ما قلتُه لك، فقد نسيتُ نفسي على ما يبدو..

فطمأنها سامر بقوله:

– لا عليكِ إنني أتفهم شعورك جيداً، فاطمئني تماماً من هذه الناحية..

عندها زفرت أمل بارتياح:

– شكراً لك حقاً.. ترى هل مررتَ بتجربة مماثلة؟

فطأطأ سامر رأسه بحزن، دون أن ينبس ببنت شفة..

فاعتذرت أمل مرة أخرى:

– لم أقصد التدخل بشؤونك.. لكنني ظننت… ظننت أنه من الجيد مشاركة الآخرين تجاربهم أحياناً..

فتنهد سامر، قبل أن يقول:

– ربما معك الحق في هذا.. إنني في الحقيقة ما زلتُ أعاني من آثار ذلك حتى هذه اللحظة..

فأبدت أمل اهتمامها الشديد، قائلة:

– هل بإمكاني مساعدتك؟ فقد يستطيع الانسان أحياناً؛ مساعدة الآخرين أكثر من مساعدته لنفسه.. ثم إنني مدينة لك بالوقت الذي أمضيته معي..

فهز سامر رأسه:

– لا داعي لذلك، فلم أفعل سوى الواجب..

لكن أمل أصرت على رأيها:

– بل فعلتَ الكثير من أجلي، وسأكون مسرورة برد هذا الدين لك، عاجلاً أم آجلاً..

**

كانت نور تحادث أمها عبر الشبكة العنكبوتية، وقد تطرق الحديث إلى ذِكْرِ سوسن؛ عندما قُرع جرس الباب، فاستأذنتها قائلة:

– إنها استراحة الغداء بالمشفى، لا شك أنه عامر، سأذهب لأفتح الباب..

فجاءها صوت أمها، وهي تُنهي المكالمة:

– حسناً أراك على خير إن شاء الله، أبلغيه سلامي، في أمان الله.. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك..

وردَدتْ نور “كفارة المجلس” أيضاً، وهي تسرعُ نحو الباب:

– ها أنا قادمة..

وبعد أن نظرت من ثقب الباب، فتحته بلهفة:

– الحمد لله على السلامة، كيف كان الاجتماع اليوم..

فابتسم عامر- وقد كانت تعابير وجهه كفيلة بالإجابة نيابة عنه- قائلاً:

– الحمد لله.. مرت الأمور على خير ما يُرام بفضل الله..

فتناولت منه نور معطفه الأبيض لتعلقه، قائلة:

– الغداء جاهز، ولكنه بحاجة لتسخين، فأظنه قد برد قليلاً..

غير أن عامر اتجه للمطبخ مباشرة:

– لا داعي لذلك، فلن أستطيع التأخر كثيراً هذا اليوم، ثم إن الطعام البارد مفيد للصحة..

قال جملته بابتسامة مَرِحة، وهو يتناول رشفة من الحساء، بعد أن استقر على كرسيه أمام الطاولة، لكن نور رمقته بنظرات ذات معنى، وهي لا تزال واقفة:

– ولِمَ العجلة؟ هل لديك جولة تعريفية أخرى مع تلك الطبيبة، أم ماذا؟؟؟

فلم يتمالك عامر نفسه من الضحك:

– لا يذهب خيالك بعيداً، كل ما في الأمر أن عليّ استلام نسختي من مفتاح مكتب الأبحاث، والتعرف على الفريق، الذي سيشاركني البحث خلال هذه الفترة، إن شاء الله..

فسألته نور باهتمام:

– وهل تلك الطبيبة ضمن الفريق أيضاً؟

فنهض عامر من كرسيه، وفاجأها بضمة قوية إلى صدره، مُطَمئناً:

– لن أفكر بامرأة أخرى أبداً- إن شاء الله- يا حبيبتي، فثقي بي واطمئني..

توردت وجنتا نور، لردة فعله المُفاجئة تلك، حتى أنها نسيت ما كانت ستقوله، فأحاطت عنقه بذراعيها:

– إنني أثق بك أكثر من ثقتي بنفسي.. ولكنني.. أحبك كثيراً يا عامر..

وكأنهما غابا عن الوجود للحظة؛ إذ سرعان ما تداركت نور نفسها باسمة:

– هيا تناول طعامك قبل أن تتأخر عن العمل، فالحُب لا يُطعم خبزاً كما يقولون..

فتناول عامر لقمة من صحنه؛ ووضعها في فمها باسماً:

– ربما سيراجعون هذا القول يوماً ما..

وجلس الاثنان يتناولان طعامهما بحب ومودة، وهما يسألان الله البركة..

**

كان رامز مستغرقاً تماماً في العمل على قِطَع التركيب- المفروشة أمامه على الطاولة المستطيلة الواقعة في صالة شقته الصغيرة- عندما قطع تركيزه رنين جرس الباب المزعج، فزفر بضيق:

– لا أدري كم مرة عليّ إخبارها أن تُحسن التعامل مع الجرس..

ثم رفع صوته مجيباً:

– لحظة من فضلك، ها أنا قادم..

ولم يكد يفتح الباب، حتى دلفت أمل إلى الداخل- وهي تحمل لوحة مغلفة بيدها- قائلة:

– هيا يا أفندم تفضل هديتك، ولا تنسَ تسديد الرسوم..

ثم ارتمت على الكنبة المريحة ملوحة بيدها:

– الجو خانق هنا بعض الشيء..

فنظر إليها بذهول، وهو يتأمل سعر اللوحة:

– ما هذا!!

فغمزته أمل بدهاء:

– هذا ثمن المعلومات القيمة التي أحضرتها لك..

وأردفت، وهي تمط ذراعيها بتكاسل:

– خذ بعين الاعتبار أنني تنازلتُ عن أتعابي الخاصة من أجلك..

فلوى رامز شفتيه، قبل أن يقول باهتمام:

– أرجو أن تكون المعلومات على قدر هذه الأهمية..

فابتسمت أمل:

– ذلك الاستاذ غارق في حبها حتى النخاع!

فعلق رامز بلا مبالاة:

– معلومة قديمة، لقد أخبرتك بها بنفسي، فقد كانت أموره واضحة منذ زيارتي الأولى له.. ما يهمنا معرفته فعلاً هو تحديد ما إذا كانت مخطوفة أم هاربة بإرادتها..

فرمقته أمل بنظرات معاتبة:

– أولاً.. لا تنسَ أنك لم تُخبرني بشيء من تلقاء نفسك، ولولا ضبطي لك متلبساً بالجرم المشهود، لتجاهلتَ دوري تماماً..

ورمت شعرها- المتدلي على كتفها- بيدها إلى الوراء، قبل أن تتابع بلهجة جادة:

– وثانياً.. ليس هذا وقت العتاب.. هل رأيتَ هذه؟

طرحت سؤالها، وهي تشير إلى شاشة هاتفها المحمول، لتريه صورة التقطتها..

وبعد أن تمعّن رامز في الصورة، سألها بتعجب:

– ما هذه؟ بطاقة مطبوعة لأذكار الصباح والمساء!! هل لها دلالة خاصة؟

فقالت أمل جازمة:

– بل هي طرف الخيط.. كان بودي جلبها معي، لكن ذلك الأستاذ العنيد تمسك بها بجنون، ولم أشأ إثارة شكوكه.. أظنه آخر أثرٍ تركته الفتاة خلفها.. وقد يكون سقط منها دون قصد.. وقد عثر عليها ذلك الأستاذ في أحد الشوارع الشمالية الغربية في طرف المدينة..

وسألته بنبرة ذات مغزى:

– هل تدرك ما الذي تعنيه تلك الشوارع؟؟

لكن رامز تجاهل سؤالها ذاك، قائلاً:

– وما الذي جعلك واثقة هكذا؛ من أن هذه البطاقة تخصها؟ هناك آلاف النسخ المتشابهة منها بلا شك..

لكن أمل حدجته بنرة ثاقبة:

– جنون المحبين يكون دليلاً كافياً أحياناً!

فتنهد رامز باستسلام:

– حسناً كما تريدين.. ما الذي كنتِ تقولينه عن الشوارع الشمالية الغربية؟

وبدل أن تجيبه قفزت من مكانها باتجاه الطاولة، لتتأمل قطع التركيب الغريبة:

– ما هذا؟؟ هل هذا وقت اللعب أيها المحقق الجاد المحترم!!

فأجابها رامز ببرود:

– بل هذه أفضل طريقة لفهم شخصية تلك الفتاة… فالسر يكمن في لوحتها الأخيرة..

فأطلقت أمل صافرة إعجاب طويلة:

– يا لها من فكرة عبقرية.. لقد حولتَ لوحتها الأخيرة إلى قطع تركيب، لتدرس حالتها النفسية والذهنية بعمق وتركيز، فالقطع الصغيرة المتناثرة؛ لا يبدو أن لها علاقة ببعضها البعض، لكن تجميعها وِفق منهجية محددة، يؤدي إلى اكتمال الصورة.. إذن هذا هو العمل الذي تجاهلتَ من أجله؛ موعد عشاءنا تلك الليلة..

فعلق رامز:

– كم مرة علي الاعتذار بشأن تلك الليلة، لقد أخبرتك بأنني لم أتجاهل الموعد أبداً، بل نسيته تماماً رغماً عني!!

لكن أمل كانت منشغلة باللوحة، فلم تعي ما قاله!

وسرح رامز بفكره للوراء، وهو يتأملها أثناء تفحصها لتلك القطع..

لقد مضى على خطبتهما أكثر من عامين، كان بحاجة لها فقد وجدها مفيدة جدا منذ أن التقاها في المكتبة العامة، إذ كان كلاهما يبحثان في قسم القانون والجرائم..

تلك كانت البداية..

كان بوده أن تكون علاقته بها مجرد صداقة عادية، لكن طبيعة العائلات العربية- حتى المنفتحين منهم- يرفضون هذه الفكرة، فلم يجد بداً من إعلان الخطوبة، على أن تكون خطبة طويلة المدى كي يتعرفان إلى بعضهما البعض بشكل أفضل، ولحسن الحظ، كانت شخصية أمل وطبيعة عائلتها، مناسبة جداً لهذا الاختيار! ثم إنها ليست من النوع الضعيف، الذي يُشعر الآخرين بعذاب الضمير، فلو أنه فكّر بتركها أو فسخ الخطوبة لأي سبب من الأسباب؛ لن تنهار باكية، بل ربما ستسدد له صفعة أو صفعتين، مع سيلٍ من الشتائم، ثم تمضي في حال سبيلها؛ بحثاً عن فرصةٍ أخرى.. هذا في حال أنها لم تتركه هي أولاً!!

وابتسم رامز لهذه الفكرة، التي كانت أكبر حافز له، لخوض تجربة الخطوبة هذه، لكنه سرعان ما انتبه من أفكاره تلك؛ إثرَ صفعةٍ خفيفةٍ من يد أمل على خده:

– ماذا أصابك؟ هل جنِنتَ لتضحك وحدك هكذا!! أمامنا عملٌ كثيرٌ ولا وقت لتضييعه بشرودك السخيف هذا..

فتحسس رامز خده بيده، قبل أن يعلق باسماً:

– معك الحق، كنتُ أفكر فقط كم نحن مناسبين لبعضنا البعض..

لكن رنين هاتفها صرفها عن مجادلته، فأسرعت تجيب الاتصال:

– أجل.. معك الممرضة المنزلية، أمل وهيب .. أجل أجل.. هذا صحيح تماماً، فخبرتي في التمريض المنزلي ممتازة، يمكنك التواصل مع مستخدمتي السابقة.. امممم.. لكنني بحاجة للمبيت والمأكل.. هل السيد طاعن في السن؟… في هذه الحالة ربما يكون من الصعب قبول ذلك… لا بأس .. شكراً لك..

أغلقت أمل السماعة، فيما حملق فيها رامز:

– ما هذا؟؟

فأطلقت أمل ضحكة خفيفة:

– هذا هو الاتصال السادس منذ أن نشرتُ الاعلان.. وما زلنا بانتظار الفريسة لتلتقط الطعم..

فرمقها رامز بذهول، وهو يمطرها بأسئلته:

– أي إعلان هذا!! وما الذي تخططين له؟؟ ثم هل تدركين إلى أي مدى قد يقودك تهورك؟ وهل والدك على علمٍ بذلك!

فابتسمت أمل بثقة:

– ومنذ متى ووالدي يعارض عملي؟ هل نسيتَ أنني أمتلك خبرة في التمريض المنزلي، تزيد عن خمس سنوات؟؟؟ يبدو أن ذاكرتك بحاجة للصيانة..

وقبل أن يضيف أي منهما كلمة أخرى، على رنين الهاتف من جديد، غير أن الاتصال كان على هاتف رامز هذه المرة، وما أن رأى رقم مُحدثه، حتى أشار إلى أمل بالصمت، قبل أن يجيب الاتصال:

– أجل سيد كارم.. إنني أسمعك.. كلا لا مانع أبداً، بل يُسعدني التحدث معها..

**

كان الصمت الكئيب لا يزال مُسدلاً أستاره على منزل سوسن، فالخدم في حالة توجس وترقب، لا يكاد بعضهم يجرؤ بالحديث إلى بعض! فمنذ أن جمعهم السيد كارم- ليطلعهم على أمر اختفاء ابنته، محذراً إياهم أشد التحذير من البوح بأدنى كلمة للخارج، ومُطمئناً إياهم في الوقت نفسه على مكانتهم في المنزل وثقته بهم، مع الوعد بإجزال مكافآتهم وعطاياهم؛ إن ما حُلّت تلك القضية، وعادت ابنته بسلام- منذ ذلك الحين؛ وهم على الحالة نفسها من العمل الصامت! ولم يكن السيد كارم بحاجة للتأكيد على كلامه مرتين، فالولاء الذي يدين به الخدم له، كفيلٌ بذلك.. ورغم أن بذور الشك بدأت تترعرع في صدورهم، تجاه بعضهم البعض؛ إلا أن أحداً لم يجرؤ على التفكير بصوتٍ عالٍ، بشأن ما يختلج في أعماقهم.. أما بهجة- كبيرة الخدم- فقد باتت واثقة تماماً من أن لمرزوق يدٌ في هذه القضية، ولكن كيف لها أن تبدي شكوكها تلك، وهو يلازم المنزل منذ تلك الحادثة- كغيره من الخدم- بناء على أوامر سيد المنزل!! فقد حُكم عليهم بما يُشبه الاقامة الجبرية في المنزل، ولم يُبدِ أي واحد منهم اعتراض على ذلك، ولعلهم ظنوا أن في هذا دليلاً على براءتهم، رغم أن سيدهم لم يُظهر لهم أدنى شك في ذلك..

أما هذه الليلة، فقد بدت عصيبة أكثر من سابقاتها، فغداً سيلقي المرشح لرئاسة الوزراء خطاباً هاماً أمام الجماهير؛ إثرَ إعلان فوزه الكاسح في الانتخابات، ولم يتبقَ سوى أيام قليلة؛ ليباشر مهامه رسمياً..

كان يُفترض بخبرٍ كهذا؛ أن يكون له وقعٌ مبهجٌ على كل فرد، بل وكل زاوية في المنزل، لكن.. ويا للعجب، إنقلبت الموازين رأساً على عقب!

أما في غرفة نوم كارم، فقد كان نحيب زوجته كفيلاً بطردِ أي أُثرٍ للنعاس من جفنيه، وهي تلقي باللائمة عليه:

– إلى متى تريدني أن أتمالك نفسي؟؟ أي قلبٍ هذا الذي تحمله في صدرك؟ لقد مضت خمسة أيام منذ اختفائها ولا أثر لها حتى الآن!!!

فحاول كارم تهدئتها:

– أرجوك يا بهية، لم يبقَ إلا القليل وسنجدها حتماً، لقد سمعتِ بنفسك محادثتي مع رئيس المباحث العامة مساء اليوم، بل إنك حادثتِ المحقق الخاص قبل قليل؛ وتأكدتِ بنفسك من كفاءته وتقدمه بالبحث.. قليل من الصبر فقط أرجوك.. أنتِ تعلمين أهمية ما ينتظرنا غداً..

لكن بهية انفجرت قائلة:

– كل ما يهمك هو الرئاسة والسلطة.. ما الذي سنجنيه من ذلك إن خسرنا ابنتنا الوحيدة!!

فزفر كارم بضيق:

– وكأنني كنتُ مكتوف اليدين، لقد فعلتُ كل ما بوسعي، فما الذي يمكنني فعله أكثر!

فقالت بهية بالنبرة اللائمة نفسها:

– يمكننا إبلاغ جميع وحدات الشرطة، والتحقيق مع الخدم بشكل أكبر، فمن غير المعقول أن تتركهم هكذا، خاصة مرزوق.. لقد كان هو آخر من شاهدها ذلك اليوم!

فعاتبها كارم بنبرة مماثلة:

– وكأنك لا تعرفين سبب ذلك! لا يمكنني التضحية بسمعتنا أكثر، فما الذي سنجنيه إن تمردوا علينا، أو أقدم أحدهم على التشهير بنا في ظل هذه الظروف؟؟ إن أكثر ما أخشاه هو خسارة ثقة مرزوق بنا، فقد كان سائق ابنتنا لأكثر من عشر سنوات، وربما يفكر بالانتقام وتلويث سمعتها ببساطة، إن ما أشعرناه بشكّنا فيه، بعد أن أكد لي بأغلظ الايمان صدق روايته! ولا تنسي ما شهد عليه الخدم من تغيّرٍ في سلوكها في الآونة الأخيرة.. حتى أنهم رأوها بالحجاب!! فما الذي تريدينه أكثر من هذا؟؟ علينا أن نتعامل مع هذا الأمر بحكمة أكثر!

فردت بهية بحدة:

– هل تعني بأنك لا تثق بابنتك، وأن قلقك على مستقبلك الرئاسي أكثر من قلقك عليها!! لم يكن من الضروري دخولك في مجازفات خطيرة كهذه على حساب ابنتك، ما الذي كنا سنخسره لو لم تفكر بخوض غمار الانتخابات!!

فقال كارم بنفاد صبر:

– الآن تقولين مثل هذا الكلام بعد أن نسيتِ نفسك، وأنتِ تختالين بزهو خلال الجولات الانتخابية!

فأجهشت بهية باكية:

– وما الذي سأجنيه من ذلك كله الآن!! آآآه يا سوسن يا حبيبتي.. من هذا الذي يجرؤ على فعلك هذا بك.. لن أسامحه أبداً أبداً..

غير أن ومضة من الماضي البعيد؛ لمعت في ذهنها فجأة، فهتفت على حين غرة:

– هل تعتقد أنه هو من فعلها؟؟؟

فنظر إليها زوجها مستفهماً:

– من تقصدين؟

لكنه سرعان ما طرد الفكرة نافياً ذلك، بعد أن تلاقت نظراتهما:

– كلا.. من المستحيل أن يكون هو، فقد سمعتُ أنه أصبح طريحاً للفراش منذ فترة طويلة، بعد أن تمكن من الالتحاق بعائلته في الخارج..

فسألته باهتمام:

– وماذا عن الآخر؟

فأجابها بهدوء:

– لقد فرّ بأسرته إلى ما وراء البحار، ولم تعد له صلة بهذه البلاد منذ ذلك الحين..

وصمت الاثنان وهما يحدقان ببعضهما البعض، قبل أن تجرؤ بهية على تحريك شفتيها:

– أما زال ذلك الشخص في السجن؟

فهز كارم رأسه موافقاً، فيما تابعت بهية استفسارها بتؤدة:

– وماذا عن أسرته! هل تعرف ما الذي حل بهم؟

فتنهد كارم بقلق

– ربما التحقت زوجته بأهلها، فلم يكن لديهما سوى طفلٌ، لم يتجاوز السابعة وقتها!!

وارتعشت يداه لذكرى ذلك اليوم..

فقد توعّده بأنه لن يسامحه أبداً.. كان ذلك قبل عشرين عاماً!!

وإذ ذاك.. اهتز هاتفه برنين مفاجيء أفزعهما معاً، وكأنهما ضُبِطا بالجرم المشهود، ولم يكد كارم يضغط على زر الهاتف لاستلام الرسالة الصوتية؛ حتى غامت الدنيا في عينيه..

هل جاء يوم الحساب!!!

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 51

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

أنهى الفريق الطبي جولته اليومية على مرضى القلب، تحت قيادة الطبيب الاستشاري فريدريك، وقبل أن ينصرف عامر، استوقفه الاستشاري قائلاً:

– غداً ستقوم بتقديم الحالات في الاجتماع الصباحي، لذا أعد نفسك جيداً لهذه المهمة، فمدير المستشفى وكبار المختصون والاستشاريون؛ مهتمون جداً بالاطلاع على أدائك، وقد طلبتُ من الدكتورة هدى، من قسم النسائية والتوليد؛ مرافقتك في جولة تعريفية في أرجاء المستشفى، فهي متعاونة جداً، وذات كفاءة عالية، وستفيدك بشكلٍ كبير.. ثم إنها عربية مثلك..

هز عامر رأسه موافقاً، دون أن يستطيع منع نفسه من التفكير بحديث الطبيب سائد عن هذه الطبيبة بالأمس! وزفر بتوجس.. سيقابل الدكتورة هدى أخيراً..

“اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب اصرف قلبي إلى طاعتك”

وما هي إلا ساعة أو ساعتين، حتى كان يتجول في أرجاء المشفى برفقة هدى، التي قامت بمهنية تامة، تعريفه بكافة الأنظمة والقوانين المتعلقة بالحقوق والواجبات، والسياسات والاجراءات المتبعة مع الأطباء والمرضى على حد سواء.. كما أطلعته على كافة الأقسام، وقامت بواجب التعارف بينه وبين مدراء الأقسام الذين يقابلونهم، حتى شعر عامر بأنه جزء من المكان..

كان شرح هدى كافياً وافياً، ولم ينسَ عامر تدوين المعلومات الأساسية في مفكرته الصغيرة التي لا تفارق جيبه، حتى إذا ما شعرت هدى بأنه لم يعد هناك شيء تضيفه، قالت لعامر:

– بالطبع لا يخفى عليك أهمية الدقة في المواعيد هنا، فكما عرفتُ من الدكتور فريدريك، ستقوم غداً بتقديم الحالات الطبية في الاجتماع الصباحي، ومن الأفضل أن تتواجد قبل السابعة صباحاً، إذ في تمام السابعة؛ ستبدأ الالقاء إن شاء الله..

فأومأ عامر رأسه بتفهم:

– إن شاء الله.. وجزاك الله خيرا لجهدك معي..

ثم استدرك قائلاً قبل أن يهم بالانصراف:

– بالمناسبة.. هل يوجد مراكز إسلامية للنساء في هذه المنطقة؟ فزوجتي ترغب بالتعرف على المسلمين هنا..

وجَمَت هدى للحظة- إذ لم تكن تعلم حتى تلك اللحظة عن وضعه الاجتماعي- لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها، وهي تجيب بثقة:

– بالطبع يوجد، هناك مركز رئيسي كبير في وسط المدينة، ملحقٌ بالجامع الكبير، حيث تُعقد الندوات والمحاضرات لجميع الفئات..

فشكرها عامر بأدب، ثم انصرف، فيما زفرت هدى بارتياح، بعد أن أزاحت عن كاهلها حِملٌ ثقيل…

لقد مرت المهمة بسلام والحمد لله..

ولم تستطِع هدى منع نفسها من الشعور، بأن عامر ما تفوه باستفساره الأخير؛ إلا ليُعلِمها بأنه متزوج، إذ سرعان ما لاحظت بعد جملته تلك؛ خاتم الزواج الفضي في بنصر يده اليسرى.. لا شك أنه مهتم جداً بإخبار الجميع بهذه الحقيقة..

ورددت في سرها:

– قدر الله وما شاء فعل.. تُرى كيف سيكون وقع هذا الخبر على ليزا، التي بات هذا الموضوع يؤرقها أكثر من أمي نفسها! يارب.. عوضني خيراً..

ولم تكد هدى تدلف إلى مكتبها، لتتابع إدخال الحالات المرضية في قسمها، حتى دخلت ليزا مسرعة- كمن كان ينتظر هذه اللحظة- لتسألها بفضول:

– كيف كان يومكما؟

فابتسمت هدى، وهي بالكاد تكتم ضحكة كادت تفلت منها:

– ما بك تتحدثين هكذا وكأننا في موعد! لقد قمتُ بواجبي وحسب، وقد كان طبيباً جيداً ومحترماً بمعنى الكلمة، ما شاء الله..

فغمزتها ليزا بمكر:

– أعرف أن هذه البداية فقط، هيا اعترفي.. ألم يكن شخصاً مناسباً؟

فهزت هدى رأسها بالنفي، لتخيب آمال ليزا:

– كلا.. لم يكن مناسباً أبداً، فهو متزوج بالفعل..

وكأن طامة كبرى حلّت بليزا، إذ تهاوت على أقرب مقعدٍ، لتتساءل بذهول:

– لماذا!! لماذا يفعل ربك بك هذا؟؟؟ لقد كنتِ فتاة صالحة طوال الوقت، وكنتِ تثقين بربك دائماً، فلماذا يأتي بأملٍ ثم يخيّبه هكذا!! هل ربكم شرير إلى هذه الدرجة!!

فأسرعت هدى تنفي ذلك بشدة، مستغفرة الله عما سمعته:

– كلا يا عزيزتي، ليس الأمر على هذا النحو، من قال بأن القصة انتهت عند هذا الحد! حتى في الروايات العالمية الشهيرة؛ يتعرض الأبطال لمواقف عصيبة، وتفاجئهم الحياة بأمورٍ لا يتخيلونها، ومع ذلك لا يفقد الأبطال شجاعتهم أو ثقتهم بمبادئهم، بل إن هذا ما صنع منهم أبطالاً فأحبتهم الجماهير.. وهكذا هي الحياة، لكل شيء حكمة قد لا نعرفها في حينها، لكنها موجودة بالتأكيد.. حتى ما يظهر أنه شرٌ في البداية، قد يتبين أن فيه الخير الكثير في النهاية..

لكن ليزا بدت ذاهلة تماماً عما يدور حولها، كانت على وشك التفكير باعتناق هذا الدين الذي تدين به هدى، بعد أن شعرت بأنه قد يجلب لها السعادة، أما الآن… فقد اهتزت قناعتها به تماماً..

ووجدت هدى نفسها في مأزق حقيقي، فرددت في سرها:

“ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم”

ثم قالت فجاة:

– تعرفين قصة “بائعة الخبز” للكاتب الفرنسي مونتبان؟

وأمام صمت ليزا، تابعت هدى كلامها:

– لقد بدَت الحياة قاسية وظالمة جداً في بداية القصة، حتى تبددت جميع الآمال المحتملة..

هكذا هي الحياة، ولن يكون البطل بطلاً إن استسلم بسهولة، وإن خرجت الأمور عن قدرته واحتماله، فالرحمة والعناية الالهية، ستتدخل في الوقت المناسب، ولن يكلف الله نفساً إلا وسعها..

لكن ليزا تابعت تساؤلاتها:

– ولماذا هذا العذاب من البداية.. ألستم تقولون بأن الله قادر على كل شيء؟ فلماذا لا يأتي بالخير مباشرة!!

فردت هدى:

– تذكرين الاختبارات الطبية التي مررنا بها، قبل أن نصل إلى هذا المستوى، وتذكرين أيضاً الاختبارات التي شاركنا في إعدادها للمتقدمين الجُدد؛ لماذا كانت بتلك الشدة؟ ولماذا لم نقدّم لهم الاجابات مباشرة، ليحصلوا على الدرجات النهائية، ويتقلدوا وسام الطب بسهولة؛ بدل ذلك الشقاء في الدراسة والاستذكار!!! وهل سيكون من العدل والحكمة فعل ذلك؟

فأجابتها ليزا ببرود:

– هذا لأننا بشر، وهذه هي طريقتنا الوحيدة لإعداد واختيار ذوي الكفاءات المناسبة لهذه المهنة، التي تتطلب جهداً وصبراً، فإما أن يُثبت المتقدم جدارته، أو لا داعي لتورطه في عمل لا يناسبه! ولكن أليس الله قادرٌ على أن يجعلنا جميعاً جيدون وذوي كفاءات عالية، ولا يضعنا في مثل هذه الاختبارات؟؟

فقالت هدى:

– في هذه الحالة لن نكون بشَراً، بل ملائكة! وقد خلق الله ملائكة بالفعل لا يُخطئون ولا يحزنون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون! أما نحن؛ فقد خلقنا الله بشراً، ومنحنا نعمة الاختيار، لذا كان لا بد من وجود الاختبار! فمن اجتهد وصبر؛ فسيلقى نتيجة ذلك حتماً عاجلاً أم آجلاً..

فتنهدت ليزا:

– أعرف ما تهدفين إليه، ولكن الأمر مختلفٌ هنا.. فعندما يتقدم السن بالفتاة، لن يعود لصبرها معنى.. أنتِ تفهمين قصدي جيداً يا هدى، فلا تكابري..

حاولت هدى أن توضح لها قناعاتها الخاصة، فيما يتعلق بمسألة الزمن بالذات؛ لكنها شعرت بأن حالة ليزا الذهنية، لن تساعدها على ذلك، فسألتها:

– هل جميع الفتيات اللاتي تزوجن في السن المناسبة- كما يقولون- سعيدات؟

فحملقت بها ليزا:

– ماذا تقصدين؟ هل تريدين القول بأن الزواج ليس سبباً للسعادة؟ حسناً.. إنني لا أؤمن بذلك أيضاً، ولكن على الأقل؛ توجد لديّ طُرُقٌ أخرى للتعامل مع هذا الأمر خارج إيطار الزواج.. أما بالنسبة لك، فالأمر مختلف، وهذا ما يُشعرني بالأسى عليك…

فبادرتها هدى بسؤال آخر:

– وهل الفتيات اللاتي حصلن على مبتغاهن خارج إيطار الزواج؛ سعيدات؟

فتنهدت ليزا، وشريط حياتها البائس يمر سريعاً أمام ناظريها:

– حسناً لنكن واقعيين، هناك لحظات سعيدة على الأقل، فأي فتاة ستفرح إن حصلت على بعض الاهتمام من الطرف الآخر..

وصمتت للحظة، فتابعت هدى:

– وماذا ستكون النتيجة، عندما يتبين لها أن ذلك الاهتمام؛ لم يكن سوى مجرد نزوة عابرة؟

زفرت ليزا بضيق، وهي تتذكر خيانة صديقها الأخير:

– وما العمل إذن! أشعر بأن المرأة ضحية في هذا العالم القاسي..

فقالت هدى بهدوء:

– هذا لأنها تربط سعادتها بالآخرين..

لكن ليزا قالت فجأة، وكأنها لم تستمع لجملة هدى الأخيرة:

– سمعتُ أن الرجل لديكم يمكنه الزواج بأكثر من واحدة، ربما هذا أفضل من أن يتخذك مجرد صديقة، ستضمنين حقك على الأقل..

ثم ابتسمت- أمام ذهول هدى- كمن وجد كنزاً:

– حسناً.. لم يكن الأمر بهذا السوء الذي توقعته، لا تزال هنالك فرصة لك..فلو حاولتِ معه قليلاً؛ فسيميل إليك بلا شك..

غير أن هدى قالت جازمة، وهي تحاول السيطرة على أعصابها:

– لم أكن لأفعل ذلك إن كان عازباً، فكيفَ به وهو متزوج!! أرجو من الله أن لا يضعني في موقفٍ كهذا، ولا يضطرني إلى هذا الاختيار أبداً.. فهناك خيارات كثيرة في الحياة، مثل أسئلة الاختيارات المتعددة؛ تكون هناك إجابات خاطئة تماماً، وإجابات مقبولة، وإجابات صحيحة، ولكن.. هناك إجابات أصحّ، وقد تتباين وجهات النظر أحياناً في تقييم تلك الاختيارات، وبالنسبة لي؛ كنتُ ولا زلتُ حريصة جدا على اختيار الإجابة الأصح قدر المستطاع، فلو كنتُ مكان زوجة هذا الطبيب، لما أحببتُ أن يأتيني بضرة، ولا يؤمن أحدكم؛ حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.. هذه قاعدة في ديننا..

واستطردت مُتابِعة:

– لا تشغلي بالك يا عزيزتي، فمن أتى بهذا الرجل؛ قادرٌ على أن يأتي بغيره..

قالت جملتها الأخيرة، وهي تغمز ليزا بعينها باسمة، فيما تنهدت الأخيرة:

– لا أدري إلى أي مدى ستوصلك قيمك ومُثُلك العليا هذه، لكنني سأنتظر وأرى..

**

استعاد مهند حيويته المعتادة، بعد يومين من تلك الزيارة، وكأن شيئاً لم يكن، حتى جدته نسيت الأمر على ما يبدو، فها هي تعامله على مائدة الأفطار، كطفلٍ مدلل:

– افتح فمك بسرعة وتذوق هذه الجبنة الساخنة يا حبيبي، لقد أوصيتُ جارتنا أن تجلبها من قريتها خصيصاً من أجلك..

وبالطبع لا يكن أمام مهند سوى الانقياد لطلبها، فتناول من يدها الحانية لقمته، وهو يثنى على ذوقها في اختيار الأطعمة، فيما تابعت الجدة ارشاداتها الصباحية، كمن يلقن طفل الابتدائية واجباته الأساسية:

– يجب أن تتغذى جيداً لتصبح قوياً، فعمل الطبيب يحتاج لطاقة كبيرة، مع تركيز ورباطة جأش..

وكأنها تذكرت فجأة أن أمامها شاب ناضج في الثلاثين، فاستطردت مؤنبة:

– وطبعاً لستُ بحاجة لتذكيرك بضرورة العثور على زوجة مناسبة، من غير المعقول أن تبقى عازباً هكذا حتى هذه السن!!

فضحك مهند معلقاً:

– ألا ترين بأنني لا أزال طفلك الصغير يا جدتي؟ لا يزال الوقتُ باكراً على التفكير بالزواج…

ولم تنتظره الجدة ليكمل كلامه، إذ عاجلته بضربة على يده بمغرفة الطعام، موبخة:

– لقد طفح معك الكيل، ما الذي سيقوله والداك رحمهما الله عني لو علما بالأمر؟؟ أظن أن عليّ تحديد موعد نهائي لاختيار عروس لك، دعنا نقول قبل نهاية هذا العام، وإلا..

وصمتت الجدة وهي تشير بيدها مهددة، فابتسم مهند موافقاً:

– حسناً حسناً.. لا يزال أمامنا عدة أشهر، فلا تقلقي أبداً يا جدتي الحبيبة..

قبّل مهند يد جدته التي وقفت لتشييعه عند باب الشقة، كعادتها كل صباح، ثم انطلق بسيارته نحو مقر عمله، ترافقه ذكريات الماضي البعيد، الذي نبشته الكلمات..

لم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره بعد؛ عندما وقع ذلك الحادث الذي أودى بحياة والديه وأخوته، فانتقل إلى أحضان جدته، التي لم تألُ جهداً في رعايته وتربيته على الخلق القويم.. وها قد مر ربع قرن من الزمان، جعلت منه ما هو عليه الآن.. فمن ستكون الفتاة المناسبة له؟

غير أن شهقة قصيرة صدرت منه، لم يستطع معها غض النظر كما يجب، وهو يحملق للحظة في تلك الفتاة الجالسة إلى جانب أيهم في السيارة، ذلك النجم الذي أصرّت جدته على تعريفه به في المعرض العالمي، دون أن يدري كيف التقطت عيناه ذلك المشهد! فلم تمضِ سوى ثانيتين استغرقتهما سيارة أيهم لمحاذاته، ثم الوقوف أمامه على الإشارة! فهل بات عقله متحفزاً لكل ما له علاقة بتلك الرسامة! صحيح أنه لا يذكر ملامحها جيداً، إذ كان قد رآها بشكل عابر فقط، لكنه يكاد يجزم؛ أنها لم تكن تلك الفتاة الجالسة إلى جوار أيهم الآن!

ووجد نفسه يسترجع تلك “المعلومة” المجردة الواردة في حديث ذلك الزائر الغريب:

الرسامة تحجبت ثم تركت الرسم!

ليتجرّأ سؤالٌ آخر على قرع باب عقله بقوة:

– ترى.. ما الذي جرى لسوسن!

**

بدأت سوسن تعتاد على استعمال ما يُطلق عليها مجازاً (دورة مياه)، فقد كانت أشبه بكوّة صغيرة ، تقع في إحدى زوايا ذلك القبو المظلم- الذي أناره المُحتجِزون أخيراً، بشعاعٍ واهن مكنها من تحسس مواطن أقدامها على الأقل- ورغم الغثيان الذي أصابها في البداية، من تلك الرائحة العفنة التي تسبب الاختناق، إلا أن الضرورات البشرية الملحة، لم تكن لتترك لها خيار آخر..

ولم تستطع منع نفسها من التفكير بغرفتها الواسعة المعطرة بالازاهير والورود، التي لم تستطع شم رائحة السعادة فيها آنذاك، رغم كل الترف! فهل هي في “عقاب” من نوع خاص، لأنها لم تستشعر تلك النعمة! حتى الجوع الذي لم تكن تعرف معناه، اضطرها لأكل تلك الكسرات اليابسة من الخبز؛ لتُسكته!

“أيهم”

ودمعت عيناها، فما زالت تحبه رغم كل شيء!

غير أنها حاولت التجلد من جديد، والتفكير بإيجابية أكثر، فحتى الآن لم تتعرض لأي أذى حقيقي وهذا هو الأهم..

وبعد أن توضأت بذلك الماء الآسن، اتجهت ناحية الجدار لتأدية صلاة العصر حسب تقديرها، إذ رفض المُحتجزون تعريفها بالأوقات، أو إرشادها لاتجاه القبلة، متخذين من ذلك ذريعة للتسلية، إذ رد عليها أحد الرجلين مستهزئاً:

– هل تريدين أن نساعدك في الدعاء علينا، أم ماذا!

فيما انفجر الآخر ضاحكاً:

– أو ربما تظنين أن بإمكان ذلك مساعدتك على الهرب!

ثم تابع بنبرة أكثر جدية:

– ومع ذلك؛ لن نسمح باحتمال واحدٍ للخطأ..

ومنذ ذلك الوقت لم تفكر سوسن بسؤالهم عن شيء آخر، بل آثرت الصمت، لتعتمد على اجتهادها المطلق في تأدية الفرائض، بعد أن يئست في الحصول منهم على أي إجابة كانت، بما في ذلك سبب احتجازها!

كانت تدعو الله بسجودها أن يغفر لها اسرافها في أمرها، ويكفيها ما أهمها، وأن يُطمئن والديها عليها… وأن يهدي “أيهم” ويرده إليها رداً جميلا..

بللت الأرض بدموعها، مستغرقة في مناجاتها، تناجي الله بهمومها وآلامها ومخاوفها، حتى شعرت بتحسن كبير، وقبل أن ترفع من السجود، سمعت صوت صرير الباب يُفتح، مُعلنة عن دخول الرجلين كالعادة، إذ لم يكن يأتي إليها رجلٌ بمفرده حتى هذه اللحظة، فسمعت أحدهما يقول آمراً:

– هيا أنهي صلاتك بسرعة، فقد حان وقت العمل..

سرَت رعشة في أوصال سوسن، هل هذا هو الفرج أخيراً، وبعد أن سلّمت من الصلاة، اقترب منها الرجل الآخر قائلاً، وهو يناولها ورقة صغيرة بيده اليمنى، فيما أمسك جهازاً صغيراً بيده اليسرى:

– أرسلي هذه الرسالة بصوتك لوالدك بسرعة..

قال كلمته تلك وضغط على أحد أزرار الجهاز، غير أن سوسن قرأت الكلمات المطبوعة على الورقة بصمت، ثم أمسكت لسانها خشية أن تصدر عنها آهة فزع، فيما قالت بصوتٍ عال:

– أمي أبي كيف حالكما؟ أرجو أن…..

لكن الرجل قطع التسجيل بسرعة صارخاً فيها بغضب:

– ألا تعرفين القراءة أيتها الحمقاء؟ هل تستخفين بنا أم ماذا تظنين نفسك؟؟؟

ارتجفت سوسن قليلاً لكنها ردت عليه بقوة:

– كيف أقول شيئا لا أفهمه؟ أنتم لم تخبروني سبب احتجازي من الأصل، ثم ما هو هذا الشيء الذي فعله والدي، وتريدون منه الاعتراف به؟

فأجابها الرجل بغلظة:

– إياك أن تعتقدي بأن عنادك سيفيدك، وتذكري أننا حتى هذه اللحظة لم نمسسك بسوء أيتها الضعيفة..

وأردف بلهجة آمرة جازمة:

– هيا أعيدي التسجيل وبسرعة..

خفق قلب سوسن لهذه الحقيقة المرة، فهي ضعيفة لا حول لها ولاقوة، ومرت بعينيها ثانية على الكلمات المطبوعة في الورقة:

“أبي أرجوك، اعترف غداً أمام الشاشة بما فعلتَه، كي أتمكن من العودة إليكم سالمة، فحتى هذه اللحظة لم يتعرض أحد الرجال لي بسوء، أرجوك أبي لا تتردد فشرفي في خطر”

فترقرقت الدموع في عينيها:

– يارب.. كيف لي أن أقول شيئاً كهذا؟ قد يتم استخدام هذا التسجيل ضد والدي على الملأ، فكيف أتهمه بشيء لا أعرفه! كيف أسيء إلى سمعته وأنا لا أعرف عنه إلا كل خير!! إنهم يريدون مني هز ثقة الناس به، فيارب احفظني واحفظ والداي من كل سوء..

غير أن صراخ الرجل قطع مناجتها:

– ما الذي تنتظرينه أيتها الغبية، هيا اقرئي الرسالة بسرعة، فلا وقت لديّ لتضييعه..

أما سوسن فقد كانت تتمنى أن تفكر بهدوء لتقرر..

يارب.. ما الذي عليّ فعله الآن!!

وأخيرا قالت:

– وما الذي يضمن لي العودة إلى أهلي سالمة، إن ما أرسلت لهم هذه الرسالة؟

فزمجر الرجل مكشراً عن أنيابه:

– بل قولي من الذي يضمن لك البقاء سالمة؛ إن لم ترسلي هذه الرسالة!!!!!!!!!!

ثم رفع قبضته مهدداً:

– لقد تماديتِ كثيراً، قومي بتسجيل الرسالة حالاً قبل أن أفقد صوابي..

ارتجفت سوسن بشدة، وأغمضت عيناها في محاولة للهروب من هذا الواقع، لعلها تفكر مع نفسها بهدوء:

– لا شك أن غداً هو موعد خطاب والدي الرسمي،…

غير أن تلك اليد الضخمة، التي هوت على ظهرها، لتسقطها أرضاً على وجهها؛ لم تترك لها المجال للاسترسال بأفكارها أكثر، فصرخت من شدة الألم، فيما قفز الرجل الآخر- الذي كان صامتاً طوال الوقت- إلى جانب الأول- الذي كان يزمجر بغيظ- مهدئاً:

– على رسلك يا رجل، هل نسيت أوامر السيد؟

ورغم الألم المبرح الذي حل بسوسن، إلا أنها وجدت في سقطتها تلك؛ متنفساً تراجع فيه حساباتها، وترتب أفكارها.. فعلى ما يبدو أن الأمر أكبر من مجرد طلب فدية، كما ظنت في البداية! وبقي السؤال الملح يتردد في ذهنها:

– ما هو الشيء الذي يريدون من أبي الاعتراف به؟

أهي مجرد تهمة يريدون تلفيقها له!!

أهو منافسٌ لوالدها في الانتخابات ويريد القضاء عليه نهائياً!!

ألهذه الدرجة وصلت الحال بهؤلاء المنافسين على مقاعد السلطة!!!

كانت سوسن قد بدأت تسترد قوتها، عندما وكزها أحد الرجلين بقدمه في خاصرتها:

– هيا انهضي، ولا داعي للتظاهر بالإغماء..

فانكمشت على نفسها، وهي تشد ثيابها إلى جسدها كمن تحتمي بدرعٍ فولاذي ثقيل، قبل أن تأخذ وضعية الجلوس، رافعة جذعها أولاً، لتواجه الرجلين بنظراتٍ ثاقبة، معبرة عن غضبها الشديد مما حدث..

فتكلم الرجل الثاني ملاطفاً:

– لم نكن ننوي الأذية أبداً، ولو أنك نفذتِ ما طُلِب منك، لمرت الأمور بسلام..

وناولها الورقة بدوره قائلاً:

– هيا لو سمحتِ، أرسلي الرسالة، وسينتهي كل شيء..

قال جملته تلك، وضغط على زر التسجيل..

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 50

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

كان المستشفى المركزي يعج بالمراجعين والزوار والموظفين، كعادته في مثل تلك الساعة من المساء؛ عندما تقدمت شابة سمراء رشيقة ممشوقة القوام، عدة خطوات من غرفة الانتظار، لترقب ذلك الرجل بحذر وتوجس..

إذا صدق حدسها، فلا شك أنه يعرف شيئاً!

وبعفوية تأكدت من تسوية شعرها المنسدل على ظهرها، على شكل ذيل حصان، وشدت قميصها القطني الأصفر، ليغطي حزام بنطالها (الجينز)، قبل أن تخطو عدة خطوات للأمام وتفتعل ذلك الانطباع المندهش، وهي تهتف قائلة:

– الأستاذ سامر!!!

فالتفت نحوها بعينين زائغتين:

– عفواً.. هل ناديتني؟

فظهرت علامات البشر والسعادة على وجه الشابة، وهي تقترب منه مُصافِحة، فوقف سامر بتثاقل لتأدية واجب اللباقة، فيما قالت هي معتذرة:

– أرجو أن تعذرني على اندفاعي، إذ لم أصدّق عيناي عندما رأيتك هنا فجأة.. خير إن شاء الله يا أستاذ، أرجو أن لا يكون قد أصابك مكروه!

فندت عن سامر ابتسامة واهنة، مكتفياً بقوله:

– لا أذكر أننا التقينا من قبل!

فابتسمت قائلة:

– بالطبع لن تذكر فتاة مثلي، ولكنني كنت من المعجبين بأعمالك الرائعة، ومنذ المعرض العالمي لم أتشرف بلقائك، لقد كان عرضك رائعاً حقا، لدرجة أنني لا زلتُ أشعر به ماثلاً أمامي..

وتابعت باندفاع، وهي تدرس بعينيها تعاليم وجهه:

– حتى أن تلك الرسامة التي شاركتك العرض، قد أبدعت حقاً بمحاكاتك.. ماذا كان اسمها سامية.. سالي؟

ولم يخفَ عليها ملاحظة تلك النبرة وهو يذكر الاسم:

– سوسن..

غير أن الإعياء الذي بدا ظاهراً على وجهه؛ جعلها تستدرك الأمر قائلة:

– لا أريد أن أثقل عليك أكثر يا أستاذ، فأنتَ تبدو متعبا جداً، استرِح أرجوك..

قالت جملتها الأخيرة وهي تدعوه للجلوس على مقعده، ولم تتردد بالجلوس على المقعد الفارغ المجاور له، فيما أخذت العيون ترمقهما بفضول!

وباهتمام ظاهر، تابعت الشابة كلامها بحماسة:

– لا أعرف كيف أعبر عن امتناني لهذه اللحظة التي قادتني إلى هنا، فقد كنت أرغب باستشارة خبير في اختيار لوحة…

لكنها بترت عبارتها فجأة:

– أرجو المعذرة، فليس هذا هو المكان المناسب لمناقشة موضوع كهذا، حقاً إنني آسفة، هل بإمكاني مساعدتك في شيء؟ فقد عملتُ في مجال التمريض ذات يوم، وأذكر ذات مرة أن ابن السيدة التي كنتُ أرعاها قد وقع في حب فتاة، غير أن والدته رفضت ارتباطه بها، ولولا تدخلي في الوقت المناسب، لربما خسر الشاب حياته!

وابتسمت بثقة:

– قد لا يبدو عليّ ذلك، ولكنني قد أكون مفيدة أحياناً..

وغمزته بعينها مشجعة:

– اسمي “أمل” ولكل شخصٍ من اسمه نصيب كما يقولون..

وكأن ذهن سامر كان مشغولاً في أمرٍ آخر، إذ سرعان ما أخرج بطاقة صغيرة من جيبه ليُطلعها عليها قائلاً:

– هل رأيتِ مثل هذه البطاقة من قبل؟

فألقت عليها نظرة خاطفة قبل أن تقول:

– أذكار الصباح والمساء.. توجد العديد من هذه المطبوعات.. هل هناك شيء خاص بها؟

فتنهد سامر:

– لا شيء.. إنني بحاجة فقط لعلاج نفسي على ما يبدو..

**

لم يغمض لـ “مهند” جفن تلك الليلة، فقد وجد نفسه- رغماً عنها- شاردةً في أفكارٍ لم تخطر له ببالٍ من قبل! وكأن تساؤل جدته العفوي؛ كان كفيلاً بقدح الزناد!

فبعد زيارة الشاب الأجنبي المفاجئة له مساء الأمس، بادرته جدته بفضولها المعهود:

– ما الذي يريده منك هذا الولد؟ هل هناك ما أزعجك بكلامه؟ فشكلك لا يبدو على ما يرام!

وقتها حاول اصطناع بسمة مرِحة:

– أنتِ تبالغين كالعادة يا جدتي، ثم إن هذا ليس ولداً وإنما زائرٌ أجنبي مهتم بالثقافة العربية..

فرمقته جدته بنظراتها المتفحصة:

– إذا كان كذلك بالفعل؛ فلمَ توقف عن الكلام فجأة؛ عندما دخلتُ للسلام عليه والقيام بواجب الضيافة؟ يُفترض من هذه النوعية من البشر المهتمة بالثقافات الأخرى، الترحيب بكبار السن أكثر، لأنهم مصدر المعلومات والثقافة الأصيلة، أليس كذلك؟

فأطلق مهند ضحكة صغيرة:

– ليس الأمر هكذا يا جدتي، فلم يقصد الشاب أبداً أن يقلل من شأنك…

فما كان من جدته إلا أن قرصت أذنه مؤنبة:

– لا تقم بتغيير الموضوع يا ولد، إنني أحاول الإطمئنان عليك وحسب، ثم ما علاقة “سوسن” بالموضوع؟

عندها أسقط في يده، لكنه مازحها قائلاً:

– كان عليكِ أن تطرحي هذا السؤال عليه مباشرة يا جدتي، ما دمتِ قد سمعتِ ذلك؟ ثم إنني لا أذكر أنه نطق بهذا الاسم!

فكان نصيبه منها قرصة أخرى:

– هل تقصد أنني كنتُ أسترق السمع!! إياك أن تجرؤ على التفكير بهذا، فقد كنت قادمة للترحيب بالضيف وحسب، خاصة بعد أن علمتُ أنه اجنبي، لكنني تفاجأتُ من ردة فعله، ثم كفاك مراوغة، ألم يكن يسألك عن تلك الرسامة بصفته مهتماً بالتعرف على مشاهير الفن في بلادنا؟ فمن كان يقصد غير سوسن بالطبع؟

وتنهد مهند وهو يسترجع كلمات جدته، فقد كانت ملاحظاتها في محلها تماما، فقد فوجيء هو نفسه بزيارة ذلك الأجنبي، بعد أن تعلل بانشغاله ذلك الصباح، فهل استجد شيء ما؛ جعله يعدِل عن رأيه! لقد بدا سؤاله عن عالم الفن وتلك الرسامة المزعومة أمراً عابراً، أو أن هذا ما حاول إظهاره، لكن السؤال الذي طرحه بعد ذلك؛ ترك في نفسه أثراً أكبر مما يتصور، بل ويزداد كلما استرجع تلك المحادثة بينهما:

– هل على الفتاة التي تقرر الالتزام بالحجاب في بلادكم أن تترك هواياتها القديمة مثل الرسم مثلاً؟

كان سؤالاً مفاجئاً ومع ذلك، ابتسم قائلاً:

– بالطبع لا، ما الذي جعلك تقفز إلى هذه النتيجة الغريبة؟

فأتاه الرد المفاجيء:

– هذا ما ظننته، فقد سمعت أن تلك الرسامة قد تركت معهد الفن بعد أن تحجبت..

لم يدرِ مهند ما الذي حدث بعد ذلك تحديداً، فقد صدمته تلك المعلومة بشكل غريب، ثم صُدِم من صدمته تلك! فلماذا يتأثر كل هذا التأثير لمجرد معرفته بخبر حجاب رسّامة معروفة!

ورغم محاولته تجاهل كل فكرة ارتبطت بذلك، إلا أن سلطة الأفكار كانت أكبر مما تخيل، وكأن الظروف تآمرت عليه هي الأخرى، فاجتمعت مع الأفكار لتقوي شوكتها، إذ لم يكد ينتهي من عمله ذلك اليوم في المستشفى، حتى لمحت عيناه أستاذ الرسم- الذي انطبعت صورته في ذهنه منذ زيارته للمعرض العالمي مع جدته- خارجاً من قسم العيادات النفسية! صحيح أنه لم يدُر بينهما أي حديث، وربما لم ينتبه الأستاذ لوجوده أصلاً، لكن مرآه كان كفيلا بمد آلاف الروابط والجسور بين الأفكار المختلفة في عقله!

وهكذا تجرّأ سؤال على طرق باب عقله:

– هل “سوسن” بخير؟

**

كان رامز على وشك أن يغط في نوم عميق؛ عندما قاطعه صوت رنين هاتفه، فتناوله بتكاسل وهو يهم بإغلاقه، غير أنه سرعان ما انتبه من نومه تماماً؛ عندما لمح اسم محدثه:

– أهلاً أهلاً بالأستاذ أيهم، إنني في خدمتك، تفضل..

– أعتذر عن الازعاج في مثل هذا الوقت أيها المحقق، لكنني تذكرتُ شيئاً هاماً قد يفيدك..

فلم يبقَ أثرٌ للنوم في أجفان رامز الذي حثه على الحديث قائلاً:

– لا داعي للاعتذار أبداً يا أستاذ، يمكنك الاتصال في أي وقت، إنني اسمعك..

وحبس رامز أنفاسه، فيما تابع أيهم كلامه:

– ذات مرة عثرتُ على ورقة تحمل نبرة تهديد قاسية تصفني بالفاسق الضال، للأسف لا أذكر كلماتها جيداً، ولكنها تتضمن كلاماً شديداً يطلب مني الابتعاد عن خطيبتي سوسن..

شعر رامز بجميع الهرمونات المحفزة، وهي تعمل في جسده، فقال باهتمام:

– جيد أنك أخبرتني بذلك، ولكن متى كان هذا؟؟

– لا أذكر تماماً، قد يكون قبل عدة أشهر، أو ربما شهرين! أو ربما أقل!! فقد

– وماذا حدث بعد ذلك؟ هل عرفت خطيبتك بالأمر؟ وهل قمتما بالإبلاغ عنه؟

– لقد تفاجأت سوسن بذلك حسبما أذكر، بل كاد أن يُغمى عليها، لكننا تجاهلنا هذا الخطاب باعتباره مزحة سخيفة تريد التفريق بيننا، وقمت بتمزيقه بكل بساطة!!

– هل تعتقد أنهم جماعة من الارهابيين مثلاً، أو فرقة متطرفة من ذوي الفكر المتشدد؟

– لم أُعِر الأمر اهتماماً كبيراً وقتها، ولكن أما وقد ذكرتَ ذلك؛ فمن يدري… ربما!

انتهت المحادثة، ولم تنتهي تساؤلات رامز وخواطره:

– عرب … متدينون… كل شيء متوقع منهم!!

وتنهد بحرقة وهو يتذكر:

“والدك رجل عربي…”

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 49

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

أنهى عامر توقيع كافة الاوراق المطلوب منه توقيعها، ليباشر عمله صباح الغد في المستشفى، وكان على وشك المغادرة؛ عندما تقدم منه طبيب عربي حياه معرفاً بنفسه، رغم أن بطاقته الشخصية المعلقة على صدره تكاد تفي بالغرض:

– الطبيب سائد سمعان.. مرحبا بك..

فصافحه عامر بابتسامة ودودة:

– عامر عرفان.. تشرفت بمعرفتك..

فأطلق سائد ضحكة خفيفة، وشت عن روحه المرحة:

– سمعان وعرفان، يبدو أن هناك انسجام بين أسمائنا، رغم أن مظهرنا يبدو مختلفا بشكل كبير..

قال جملته الأخيرة، وهو يشير إلى لحية عامر.. فبادله الأخير الابتسام بقوله:

– الظواهر لا شيء أمام البواطن… فالقلوب السليمة هي الأهم من ذلك كله.. ونسأل الله أن يجعلنا جميعا من أهل هذه القلوب..

عندها قال سائد، وهو يغمز عامر بنظرة ذات معنى:

– أنت تتكلم مثل هدى تماماً، يبدو أنك ستنضم لفريق تلك الطبيبة المتزمتة.. من يدري.. ربما تكونان ثنائياً منسجماً في النهاية.. خاصة وأنها لم تعثر على فارس أحلامها بعد!

فقاطعه عامر بأدب:

– إنني متزوج..

فضحك سائد، وهو يربت على كتفيه بمرح:

– لا بأس.. إذا لم تعجبك فكرة الصداقة؛ فيمكنك اتخاذها زوجة ثانية، فهذا يوافق هواكم أكثر أيها المتدينون..

استاء عامر بشدة من ذلك الرجل، الذي يحاول أن يجعل من التدين لعبة مسلية، ويحاول صنع أحداثٍ لها على مزاجه!!!!

ولم يخفَ على سائد ملاحظة ذلك الانزعاج المرتسم بوضوح على وجه عامر، فقال ملاطفا:

– لا تأخذ الامور بجدية يا عامر.. ألا تحتمل المزاح يا رجل!

فنظر إليه عامر بنظرات جادة ذات معنى:

– هذا من الأمور الثلاثة التي لا تحتمل المزاح..

**

كانت هدى على وشك أخذ غفوة قصيرة- في غرفة الطبيبات المناوبات في المستشفى- عندما دخلت زميلتها “ليزا” بحماسة مفاجئة:

– لقد انضم إلينا طبيب عربي شاب، ويبدو أنه من النوع الذي حدثتِني عنه!!! لا أصدق هذا… لقد جاء فعلا.. لقد أحضره الله يا هدى… لقد أحضره الله بلا شك!!!

ورغم النعاس الذي كان يسيطر على هدى قبل لحظات، إلا أنه تبخر تماماً مع تلك الكلمات المباغتة، لا سيما وهي تسمع ليزا تهتف باسم “الله” لأول مرة على ذلك النحو!

شعرت بأن ليزا تكاد تطير من الانفعال، دون أن تستوعب ما الذي حدث بالضبط!! حتى أدركت أخيراً ما ترمي إليه، بعد أن تذكرت آخر حوار دار بينهما في عطلة الاسبوع الماضي!!

عندها…شعرت بأن وجهها يتلون بالتناوب بين الاصفرار والاحمرار!!! دون أن تحدد الغلبة لمن في النهاية!

لم تتخيل أن تجري الأمور على هذا الشكل أمام ليزا!! فرغم أنها كانت قد أخذت عهداً على نفسها أن لا تتحدث عن الاسلام بلسانها في مكان العمل، إلا أن ليزا أجبرتها على ذلك أخيراً، فكان لا بد لها من الخروج معها في يوم عطلة…

أما قبل ذلك، فكانت تكتفي بتقديم نموذج عملي عن الاسلام، من خلال أخلاقها وتعاملها وانضباطها واتقانها لعملها، لدرجة أنها نجحت في أن تبرهن لرؤسائها بأن أدائها للصلاة لا يؤثر على أدائها لواجباتها في المستشفى على أكمل وجه، بل إنه يحسن من فاعلية هذا الأداء، حتى أن المشرف المباشر على تدريبها أعجبته الفكرة، ورأى أنها أشبه ما تكون برياضة روحية، تزوّد الانسان بطاقة ايجابية! فكان يقترح على من يصيبه الخمول والارهاق من طلبته؛ ممارسة هذه الرياضة، متخذا من هدى قدوة في ذلك!! غير أن ليزا- زميلة هدى في سنوات الاختصاص الطبي- أثار اهتمامها بشكل أكبر؛ تحفظ هدى في تعاملها مع الرجال، إضافة لحجابها الذي تراه خسارة حقيقية لهذه الشابة، والتي يمكن أن تكون بدونه في عداد الحسناوات الفاتنات!!! والادهى والامر من ذلك برأيها؛ أنها تجاوزت الخامسة والعشرين من عمرها، أو ربما شارفت على الثلاثين وأكثر؛ دون أن يكون لها حبيب أو حتى صديق واحد على الأقل!! وليتها بعد ذلك كله سيدة متزوجة!!!!!!! تلك الأسباب كلها مجتمعة؛ جعلت هدى بالنسبة لليزا حالة- بل ظاهرة- تستحق الدراسة!!!! وكان سؤالها الأول الذي تبادر إلى ذهنها:

– هل الاسلام يحرم المرأة من السعادة!!!! وإذا كان كذلك؛ فما الذي يُجبر هدى على التمسك به حتى الآن!!!

خاصة وأنها رأت سائد – الطبيب العربي والمسلم الوحيد في هذا المستشفى- يتصرف مثل بقية رجال بلدها بحرية تامة، بل إنه عرض عليها شخصيا أن تخرج معه في موعد!!! ولم تشعر بأنه يحرم نفسه من أي شيء يشتهيه!

وإذ ذاك؛ كان لا بد لهدى أن توضح لليزا الأمور بشكل أفضل، فاتفقتا على الخروج معا في أول عطلة لهما، وهذا ما حدث…

وبعد حديث مطوّل؛ حاولت فيه هدى أن تقدم صورة شاملة عن مقاصد الشريعة الاسلامية، والتي من خلالها يضمن الناس سعادتهم في الدارين، قالت ليزا بنفاد صبر:

– المهم ما الذي ستفعلينه إن لم تجدي رجلاً مسلماً ذو خُلُق ودين كما تقولين! فإذا كان “سائد” وهو مسلم مثلك، لا يمثل الصورة الصحيحة للرجل المسلم، ولا ترغبين بالارتباط بأمثاله، فهل ستبقين عزباء طوال حياتك!!!

همت هدى أن ترد عليها بعفوية “هذه ليست مشكلة بالنسبة لي”، لكنها تذكرت بأن إجاباتها محسوبة عليها، بصفتها المسلمة الوحيدة، التي تعرفها ليزا حتى الان، فقالت بروية:

– صحيح أن الزواج أمر هام في ديننا، بل إنه نصف الدين، ولكن المسلم لا يتعامل مع هذه القضية بشكل منفصل عن بقية القضايا، فديننا دين متكامل وشامل، ونحن نؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأن ما يكتبه لنا هو الخير دائماً، كل ما علينا فعله، هو أن نحسن التعامل مع الخيارات المتاحة أمامنا، فإذا لم يقدّر الله للفتاة الزواج بالطريقة التي يرتضيها لها، والتي تضمن سعادتها، فهذا بلا شك.. لحكمة فيها خير لها، وهذا بالطبع لا يعني أن تصاب تلك الفتاة بالاحباط واليأس والاستسلام، بل إن بإمكانها الدعاء، والطلب من الله أن يسهل لها ما تتمنى من أي أمر، وهي توقن تماماً أنه على كل شيء قدير، بل إننا نحن العرب لدينا قناعة تامة مفادها؛ أن الزواج بالذات “قسمة ونصيب”، ولكننا وبصفتنا مسلمون، نؤمن أننا مخيّرون في قراراتنا، لذا علينا أن نحسن الاختيار من البداية..

وبالطبع.. وجدت هدى نفسها مضطرة لتوضيح معنى هاتين الكلمتين لليزا، التي لا زالت غير مقتنعة بما سمعته.. فقالت بضيق، وهي لا تزال مصرة على أن تعود إلى نقطة البداية:

– لا أفهم هذا المنطق حتى الآن! أنت في بلد غير بلدك والدين هنا غير دينك، وترفضين الارتباط برجل لا يحمل معتقدك! وقد أخبرتيني ذات مرة؛ أن لديك ظروف خاصة تمنعك من العودة إلى بلادك، فكيف ستتزوجين في النهاية!!!!!

فأجابتها هدى وهي تشعر بأنها تلف في دائرة مغلقة:

– ربما لا تفهمين ما أعنيه الآن، ولكنني على يقين تام بأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، وهو قادر على أن يُحضر الرجل المناسب في الوقت المناسب..

ومع تلك الجملة؛ انتبهت هدى من ذكريات تلك الجلسة مع ليزا- والتي مرت في ذهنها كلمح البصر- فخفق قلبها بشدة:

– هل تراه الرجل المناسب حقا!!!

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 48

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

ارتمى رامز على فراشه بإرهاق بعد يوم حافل بالعمل.. إنه يومه الأول في هذه القضية فقط!!

ورغماً عنه؛ أخذ عقله يسترجع تفاصيل ما حدث بدقة..

لقد ارتكب من الأخطاء أكثر مما توقع! حتى البطاقة التي تبجح بعدم حاجته إليها؛ استخدمها من المحك الأول مع أيهم!!! ومع ذلك.. كان حظه جيداً بشكل كبير.. فهل يعقل أنها كانت مجرد “صُدف”!! حتى الطبيب الشاب الذي التقاه بسبب غفلة منه أثناء القيادة، تطابقت صفاته مع ذلك الشاب الذي كان أحد المشتبهين برأي أيهم!! بل إنه هو نفسه!! فلا يعقل أن يكون هناك تطابق كبير بين شخصين بالاسم والشكل والعمر والوظيفة، بهذه الطريقة!! ومن الغريب أنه حصل على فرصة دعوة مجانية لزيارته ذلك المساء، رغم أنه تحجج بانشغاله في البداية، لكنه وجد نفسه يهرع للقائه في النهاية!!!

بعدها تمكن من لقاء المشتبه به الآخر!

ومع ذلك.. لا يبدو على أي واحد من هذين الشابين أي معرفة بمكان سوسن، أو حتى مجرد إدراك ما حل بها!! قد ينطبق هذا على الشاب الاول أكثر، أما الثاني؛ فإنه يعتقد بأنه متلهف لمعرفة أي شيء عن سوسن أكثر منه، وإن كانت أسبابهما مختلفة!!

كل ما يأمله أن لا يكون قد أثار شكوكه في تلك الجلسة، التي تظاهر فيها أنه هاوٍ للرسم ويرغب بالاستفادة من خبراته! بل ستكون معجزة حقيقية؛ إن لم يكن سامر قد شك به أصلا!! فرغم أن هذا الاستاذ، تذرع بتعبه وارهاقه في البداية، إلا أنه وبمجرد سماعه اسم “سوسن” انقلب حاله! حتى أنه لم يستطع إخفاء لهفته لسماع أي شيء عنها، لولا أنه بيّن له بأن لوحتها الأخيرة؛ هي من أثارت اهتمامه عندما زار المعهد، وهذا ما جعله يسأل عن ما يعرفه عنها.. فما كان من سامر إلا أن أُسقط في يده بخيبة أمل واضحة!!!

أما تلك الصديقة التي يعتقد أيهم بأنها سبب تغيّر سوسن، فيبدو أنها برئية من هذه القضية تماماً!! فقد غادرت البلاد مع زوجها، ولا شيء يثير الريبة حولها!!!

ولكن ماذا عن أيهم!! لقد تعاون معه بشكلٍ كبير، حتى أنه أطلعه على الحوالة المالية، التي أودعتها سوسن في حسابه! لقد كان صريحاً بشكل كبير، ومن الواضح أن تلك الفتاة لا تزال تشغل تفكيره!! إنه بريء بلا شك على ما يبدو! صحيح أن المجرم في الروايات البوليسية؛ يكون أبعد شخص عن الشبهة، لكن هذا لا ينطبق على أيهم بالتأكيد..

وزفر رامز بضيق، وهو يقلب المعلومات في رأسه..

قد لا يكون محققاً محترفاً كما ادعت أوراقه! ولكنه بذل جهداً كبيراً للظهور بهذا المظهر الزائف.. لا شك أن قراءة الروايات البوليسية وحدها لا تكفي لاكتساب خبرة جيدة في التحقيق، فكيف إن لم يكن مهتماً بها سابقاً!! ومع ذلك فقد أقحم نفسه في هذه القضية وانتهى الأمر، ولا مجال للتراجع الآن!!

كانت الأفكار تتزاحم في رأسه..

لو أنه يفهم فقط طريقة تفكير هذه الفتاة، لتقدم عدة خطوات، بل لو أنه استطاع فقط؛ أن يفهم ما تعنيه جملتها التي اختارتها اسما للوحتها الأخيرة؛ لفهم ثلاثة أرباع قضيتها، أو لجزم على الأقل بشأن هروبها الاختياري!!

وقفز رامز من فراشه، إثر فكرة خطرت بباله، بعد أن الهبته حماساً، فابتسم لنفسه مشجعاً:

– حسنا.. قد لا أكون محققاً حقيقياً، وقد لا يهمني الحصول على رخصة العمل المزعومة؛ ولكن هدفي الحقيقي.. يستحق هذا العناء..

وبسرعة، التقط آلة التصوير الخاصة به، ليستقل سيارته نحو ذلك المحل، وهو يأمل أنه لم يُغلق أبوابه بعد!!

***

لم تدرِ سوسن كم مر عليها من وقتٍ وسط ذلك الظلام، حتى اعتادت عيناها عليه، ومع ذلك لم تتمكن من رؤية ما حولها بوضوح..

حاولت النهوض في البداية.. لكنها شعرت بثقل في رأسها، ودوار شديد أسقطها أرضاً، أدركت فيما بعد أنه من آثار المخدر الذي استنشقته، وكم شعرت بارتياح شديد عندما تحسست حجابها الذي بقي ملاصقاً لها كما عهدته آخر مرة، قبل أن تغيب عن الوعي.. مما طمأنها بأنه لم تمتد إليها يد عابث، فحمدت الله بامتنان شديد لهذا الحفظ، الذي حباها به.. بل إن فرحها بذلك أنساها لوهلة؛ وضعها الحالي!!

حتى شعرت بأن الأنوار تحيط بها من كل جانب، وكأن اسم الله “النور” أضفى ضياء على قلبها، رغم الظلام! وإذ ذاك تذكرت لوحة نور من جديد:

الله

“نور السماوات والأرض”

أليس من الغريب شعورها بهذه الأنوار، في هذا المكان المظلم؛ في حين أنها كانت تعاني من كوابيس الظلام؛ وسط منزلها المنير، وفي وضح النهار!

حقاً… الله نور السماوات والأرض، ومن لم يجعل الله له نوراً؛ فما له من نور…

ورويداً رويداً، بدأت تستعيد توازنها، وهي تسترجع تفاصيل ما علق بوعيها، قبل أن تجد نفسها على هذا الحال..

لا شك بأنها مُختَطَفة ومُحتَجَزة في هذا المكان الغريب! ولكن أين الخاطفون؟ بل أين هي الآن!!

وأسندت رأسها إلى الجدار خلفها، بعد أن تكومت في جلستها، وهي تضم ساقاها إلى جذعها، وتلفهما بذراعيها، وقد شبكت بين أصابع يديها، لتغرق في تفكير عميق، محاولة تجاهل ذلك الجو الخانق حولها..

ما الذي جرى لها؟ وماذا سيكون مصيرها؟

آخر ما كانت تتذكره من همومها، هي الكيفية التي ستواجه بها والديها بعد أن ارتدت الحجاب، لا سيما وقد كان ذلك سببا في فسخ خطوبتها من أيهم!! كان أشد ما تخشاه هو رؤية ردة فعلهما تجاه تصرفها ذاك!! أما الآن… فلم يعد لذلك معنى… فلا شك أن اختفائها سيكون فجيعة حقيقية لهما..

ودمعت عيناها إشفاقا عليهما… ترى؛ كم مر عليها من الوقت في هذا المكان!!

هل يعقل أن مرزوق خان والدها بعد أن وضع ثقته به!!

لصالح من يعمل!! لا شك أنهم أناس معارضون لنجاح والدها في الانتخابات.. وإلا فما هو التفسير الآخر لهذا التصرف، وفي هذا التوقيت بالذات!

وماذا عن أيهم؟ هل افتقدها.. وهل شعر بغيابها! هل من الممكن أن يحرك اختطافها؛ مشاعرٌ جديدة في قلبه نحوها؟؟ لا يمكنها أن تتخيل تجاهله لأمر خطير كهذا.. من يدري… ربما يعود إليها كفارس بطل، يخرجها من هذه الأزمة…

ورغماً عنها؛ وجدت نفسها تسترسل في أفكارها تلك، وصورة أيهم تلتمع في مخيلتها بأبهى حلة، حتى تمنت أن تتحول لوحتها التي رسمتها له، وهو يمتطي حصاناً أبيضاً؛ إلى حقيقة!

غير أنها شعرت بآلام شديدة في رأسها، وأرجاء جسدها، حالت بينها وبين تلك التخيلات، بعد أن شعرت بالجوع لأول مرة! فهل هذا يعني أنها قضت وقتاً طويلاً هنا، دون أن تشعر بذلك؟؟

يبدو أن الهموم الكبيرة، تتضاءل أمام حاجات البشر الفطرية، خاصة عندما تصبح الحاجة ملحة لها…

وإذ ذاك تذكرت الصلاة..

ترى.. في أي وقت من اليوم هي الآن؟ وكم صلاة فاتتها!!

آخر صلاة تذكر أنها أدتها هي صلاة الظهر، وكان ذلك بعد أن أنهت عملية التحويل المالي لحساب أيهم.. ولا شك أن صلاة العصر قد دخل وقتها على الأقل، هذا إن لم تكن في منتصف الليل!

إنها بحاجة للوضوء أولا..

وحاولت النهوض مجدداً، لتتعرف على المكان أكثر، وهي ترتكز على الجدار البارد خلفها، والذي وجدت نفسها ممددة إلى جانبه، عندما فتحت عيناها أول مرة! أحسّت بأنها في غرفة فارغة لا نوافذ لها، ولا حدود لجدرانها، سوى الجدار الذي ارتكزت إليه، لذا بدأت بالسير مستندة عليه خشية السقوط، حتى تتمكن من تحديد معالم المكان الذي وجدت نفسها فيه.. لكن قدمها تعثرت فجأة بشيء ما، أثار توجسها، فوقفت مكانها تتحسس موطن قدميها، ليقشعر جسدها بأكمله؛ بعد أن سرت فيه رعشة حادة، فارتدت يدها إلى الخلف لا إراديا بعنف؛ مما أخل بتوازنها، وأدى إلى سقوطها على الأرض بشدة، في حين انطلقت منها صرخة فزعة، سمعت بعدها أصوات أقدام تقترب من المكان بسرعة، تبعه صرير باب يُفتح، لتشعر فجأة بألمٍ حاد في عينيها، كاد أن يُعميها، بعد أن سطع المكان بضوءٍ وهّاجٍ على حين غرة، رافقه زمجرة من صوتٍ أجش، جمّد الدم في عروقها:

– لقد استيقظتِ أخيرا أيتها الحسناء إذن!

ودوت ضحكته المجلجلة، كقنبلة موقوتة تُنذر بالشر..

وقبل أن تعتاد عيناها على الضوء؛ شعرت بيدٍ غليظة تحط على كتفها، فما كان منها إلا أن انتفضت صارخة، وهي تحاول الابتعاد، والظهور بمظهر قوي متجلد:

– ما الذي تريده ياهذا؟

وقبل أن تسمع رده، سمعت صوتاً آخر يقول بحزم:

– كيف تجرؤ على مخالفة الأوامر! ألم يطلب منا السيد عدم الاقتراب من الفتاة، مهما حدث!!!

لم تكد سوسن تستمع لتلك الكلمات، حتى شعرت براحة عجيبة تسري في أوصالها، وكأنها حصلت على ضمان الأمان أخيرا، فيما سمعت رد الرجل الأول وهو يبرر تصرفه:

– لم أكن أفعل شيئاً، كل ما في الأمر أن فأر المصيدة أخاف هذه المسكينة، فذهبتُ لأطمئن على الوضع!

كانت عينا سوسن قد بدأتا تعتادا على الضياء أخيراً، فراعها مشهد الرجلين أمامها، بضخامة جسديهما، وقد أخفيا وجهيهما خلف لثام محكم، فانكمشت في مكانها وهي تحاول استطلاع المكان بسرعة، لتحدد موقعها فيه.. ومع ذلك لم يستطع عقلها استيعاب طبيعة ما تراه، فهل هي في مستودع قديم، أو حجرة صماء مهملة!! والأدهى من ذلك؛ أنه لا يوجد لها منفذ سوى الباب الذي دخل منه الرجلان، فأي مكان هذا!! غير أن قشعريرة سرت في جسدها، بعد أن وقعت عينها على الفأر الميت العالق في المصيدة، فيما كان الرجل الثاني يذكر الأول بقوله:

– كن حذرا.. فأي خطأ لن يكون في صالحنا..

***

استلقت نور على سريرها أخيراً، بعد يوم حافل بالانجازات، منذ وصولها تلك البلاد خلف البحار..

لقد أنهت الترتيبات اللازمة مع عامر ، واستقرت في شقتهما الجديدة… بينما ذهب هو لمتابعة معاملاته في المستشفى الذي قطع تلك المسافات خصيصاً من أجله..

اطمأنت على أمها، وسعدت بسماع صوتها الحاني.. غير أن هناك أمر واحد لا يزال يشغل فكرها..

تناولت هاتفها للمرة الثالثة..

لا يزال هاتف سوسن مغلق!!

ورغم أنها حاولت تهدئة نفسها، إلا أن القلق كاد أن يسيطر عليها… فالأمور لم تكن طبيعية مع سوسن في النهاية.. وقد وعدتها بأنها ستحادثها من رقمها الجديد، فور حصولها عليه!

ترى.. هل هي بخير؟؟ وماذا حدث بينها وبين أيهم!! لقد أخبرتها سوسن، بأنها ستتخذ قراراً حاسماً في هذا الموضوع، ولا تدري ما الذي حدث معها بعد ذلك..

انقبض صدر نور، وهي تتخيل حال سوسن؛ إن ما قررت الابتعاد عن أيهم، غير أنها سرعان ما استعاذت بالله من الشيطان الرجيم، ونهضت من سريرها لتتوضأ وتصلي ركعتين، توسلت إلى الله فيهما أن يحفظ سوسن من كل مكروه، ويدبر أمورها بلطفه ورحمته التي وسعت كل شيء.. ولم تنسَ الدعاء لأيهم.. فقد كانت هذه هي وصية سوسن الوحيدة!!

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 47

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

تأمل رامز اسم اللوحة بتعجب، ولم تكد كلماتها تنطبع في ذاكرته؛ حتى قفزت مئات التحليلات وآلاف الاستنتاجات إلى ذهنه، كان معظمها يدعم بشكلٍ كبير نظريته الاولى..

“تركته لأجلك”

ما الذي يمكن أن يوحي به اسمٌ كهذا، سوى ما خطر بباله أول مرة!!!

وبالنظر إلى تاريخ اللوحة؛ باتت نسبة احتمال هروب تلك الفتاة بمحض إرادتها، كبيرة جداً، ولولا الضرورة المهنية، التي تحتم عليه عدم تجاهل أي احتمال آخر ولو بنسبة ضئيلة؛ لجزم الأمر مئة بالمئة..

وأخيراً التفت إلى ناديا، التي كانت تراقبه بتمعن، فابتسم لها بمرح قائلاً:

– أعلم أنني أتعبتك معي يا آنسة، ولكن أرجو أن تسمحي لي بالتقاط صورة أخيرة لهذه اللوحة، فقد أثارت اهتمامي فعلاً..

فزمّت ناديا شفتيها، قبل أن تقول، وقد بدأت الشكوك تخامرها:

– آسفة.. هذه اللوحة بالذات لا يمكن تصويرها.. فلم نعرضها بعد في أي معرض.. ثم إنك التقطتَ ما يكفي من الصور حتى الآن! فلصالح من تعمل؟؟

فأسرع رامز يبريء نفسه بقوله:

– صدّقيني إنني مجرد هاوٍ لا أكثر، ولن أقوم بنشر أي صورة من هذه الصور في أي مكان.. أريد الاحتفاظ بها للذكرى فقط، ويمكنك أن تثقي بكلامي هذا.. أنا سائح هاوٍ لا أكثر..

وتأكيداً على كلامه، أخرج جواز سفره الأجنبي من جيبه موضحاً:

– إنني مهتم بالتعرف على طبيعة البيئة العربية، والثقافة العربية بشكل عام، والفن أحد صور هذه الثقافة، لذا أرجو أن تفهميني جيداً يا آنسة..

لم تكد ناديا تلمح جواز سفره، حتى نسيت لباقتها المعتادة مع الزوار، وهي تردد بتعجب:

– هل أنت أجنبيٌ حقا!! أعني.. هل أنت أجنبي الأصل!! صحيح أن ملامحك قد تبدو أجنبية، ولكنك تتحدث العربية مثلنا بطلاقة!

فابتسم رامز قائلاً:

– ألم أقل لك أنني مهتمٌ بدراسة الثقافة العربية يا آنسة! لقد درستُ اللغة العربية منذ سنوات، والتحقتُ بمعاهد اللغة حتى أتقنتها.. إنني بالفعل مهتمٌ بهذه الثقافة.. يمكنك القول إنها هواية..

بدا الارتباك على وجه ناديا بوضوح، وقد شعرت بمسؤوليتها فجأة؛ تجاه صورة الأمة العربية! لكنها سرعان ما تمالكت نفسها قائلة:

– حسناً.. في هذه الحالة سأقدم لك هذه الخدمة، آملة منك أن تحافظ على وعدك بعدم نشرها في أي مكان، لأننا بصدد العمل على إصدارنا الخاص بالفعل..

فتهلل وجه رامز، وهو يشد على يديها بامتنان شديد:

– شكراً جزيلاً لك.. لن أنسى هذا الجميل أبداً يا آنسة..

وبينما أخذ يلتقط الصور للوحة من عدة زوايا، سألها بعفوية ظاهرة:

– ترى ما الذي يعنيه اسم هذه اللوحة؟

فأجابته ناديا بعفوية مماثلة:

– حقيقة لا أدري تماماً، فقد كانت الرسّامة في عجلة من أمرها حين أنهت اللوحة، حتى أنني اضطررتُ لإرسال رسالة لها، أسألها فيها عن الاسم، الذي نسيت كتابته عليها، فلم تصلني منها سوى هاتين الكلمتين.. حتى أنني لم أعرف المقصود برسالتها، هل تقصد أنها تركت اختيار العنوان لي، أم ماذا بالضبط!! لكنني قررتُ اعتماد جملتها تلك اسما للّوحة في النهاية، فهو يبدو مناسباً نوعاً ما، وقد كان هذا آخر عهدي بها، إذ أنها لم ترد على اتصالاتي بعد ذلك، على غير عادتها..

ورغم أن رامز تظاهر بانشغاله بآلة التصوير، إلا أنه كان يحاول تسجيل كلمات ناديا في ذهنه باهتمام، ولم يخفَ عليه ملاحظة الضيق في نبرتها، وهي تتحدث عن سوسن! لا شك أنها منزعجة من تصرفها ذاك جداً، ولم يكن كلامها عنها سوى نوعٌ من الفضفضة!

فما هي الظروف التي دفعت سوسن لذلك التصرف!!

غير أنه لم يسترسل كثيراً في تساؤلاته الداخلية تلك، حتى لا يثير الانتباه، إذ سرعان ما أطلق صافرة قصيرة؛ معبراً من خلالها عن إعجابه بترتيب المعهد وتنسيق زواياه، وبعد أن تجول بعينيه بين الفتيات المنهمكات في لوحاتهن، سأل ناديا بفضول:

– هل جميع المنتسبين إلى هذا المعهد من الفتيات؟

فأومأت ناديا برأسها إيجاباً:

– أجل هذا صحيح.. ولكن هذا لا يعني أننا لا نقبل انضمام الذكور أيضا..

أبدى رامز اهتماماً واضحاً بما سمعه، معلقاً:

– هكذا إذن.. ظننتُ أن عاداتكم العربية تمنعكم من ذلك..

فقالت ناديا:

– لا أنكر وجود من يتمسك بهذه العادات حتى الآن، ولكننا معهد راقي حديث، ولا نلتفت لمثل هذه الأمور..

فهز رامز رأسه متفهماً:

– جيد..

ثم استطرد بشكل عفوي، وهو يتمنى أن يحقق هدفه دون إثارة الريبة:

– بالمناسبة؛ ألا يوجد رجال مهتمون بالفن هنا؟

فقالت ناديا:

– بالطبع يوجد.. هناك الاستاذ سامر على سبيل المثال، وهو أحد أساتذة الرسم المشهورين، ليس في عالمنا العربي وحسب، بل أيضا على المستوى العالمي.. لقد كان هنا قبل قليل..

فتجاوب معها رامز بعفوية:

– أستاذ رسم عربي إذن!! هذا مذهل.. سيسرني جدا مقابلته، فربما يفيدني أيضا! هل يمكنني أخذ عنوانه يا آنسة؟

أما في الجانب الآخر من المعهد، حيث بدت الفتيات منشغلات بلوحاتهن، فقد كانت سورا تتابع تلك المحادثة باهتمام كبير، وقد لمعت أمامها أفكارٌ غريبة، لم تستطع تجاهلها..

هل يُعقل أنها تعنيني بجملتها تلك!! لقد كانت مصافحتها لي غريبة بعض الشيء.. كان هنالك خطأ ما بلا شك.. شيء ما؛ لم يكن في مكانه الصحيح!!!

وكادت أن تفلت منها شهقة؛ لولا أنها أسرعت تكتمها في صدرها، وقد أدركت تلك الحقيقة بغتة!

لقد صافحتها سوسن بيدها اليمنى، ولم تكن ترتدي خاتمها، الذي كان شيئا مقدسا بالنسبة لها!! فهل يُعقل أنها… فسخت خطوبتها من أيهم!!

لقد تعجبت من حجابها عندما رأتها، وكاد الفضول أن يقتلها، وهي تتساءل عن ردة فعل أيهم تجاه ذلك، ولدهشتها الشديدة؛ لم تحضر سوسن حفل تكريم أيهم، الذي لم تكن تتركه وشأنه طرفة عين!!

بل إن أيهم لم يكن على طبيعته ذلك اليوم…

لقد اتضحت الحقيقة أمامها أخيراً..

لا شك في ذلك.. لقد فسخت خطوبتها منه.. وانتهى الأمر!!!

فهل يُعقل أنها.. تركته لأجلي!!!!!!!!

غير أن سورا وضعت حداً لأفكارها تلك.. إذ لا يمكنها أن تترك نفسها لأوهام لا دليل عليها، وإلا كانت خيبة أملها كبيرة فيما بعد.. ثم إنها لا تريد أن تعتقد بأن سوسن قد قدمت لها خدمة ما، مهما كانت دوافعها!!

ولم يكد رامز يغادر المكان، حتى قالت جولي هامسة:

– أراهن أنه لم يأتِ إلى هنا؛ إلا من أجل سوسن!!

ذلك الشخص.. أوراقه مكشوفة!!

فغمزتها فاتن:

– هيا اتحفينا بتحقيقاتك يا “مِس ماربل”!

– كلا.. بل قولي.. “هيركول بوارو” أو “شارلوك هولمز”، فهما الأفضل بالنسبة لي..

المهم.. ألم تلاحظي كيف كان يتأكد من التوقيع أولاً؛ قبل أن يتأمل اللوحة!!

– لقد لاحظتُ ذلك فعلا، فلم أرَ فناناً يقوم بهذه الحركة من قبل!

وانضمت إلى المحادثة فتيات أخريات:

– وكأنك رأيتِ جميع الفنانين في العالم!!

– بل الأغرب من هذا؛ أنه أبدى اهتماماً مفاجئاً بالفن السريالي من خلال لوحة سوسن الأخيرة، في حين أن لوحات نور لم تلفت انتباهه من قبل!!

– بل كان يتأملها أيضاً.. ألم تسمعي سؤاله عن نور واهتمامه بمعرفة خلفية عن أسلوبها؟

فزمت جولي شفتيها:

– لا أدري… ولكنني ما زلت مصرة أن سوسن كانت هدفه الرئيس.. وربما لم يسأل عن نور إلا من أجل سوسن..

فلم تتمالك فاتن من إطلاق ضحكة:

– لقد أصبح خيالك واسعاً.. بل متمدداً أكثر مما يجب… بلا شك..

فيما تغامزت الفتيات بينهن:

– في هذه الحالة.. لا شك أنه معجب جديد وقع في الفخ..

***

كان أيهم في دوامة كبيرة، نجح ذلك المحقق بإثارة زوابعها؛ عندما سمع صوت جلبة في الخارج، ورغم فقدانه الرغبة في الاقدام على أي شيء؛ إلا أنه دفع بنفسه دفعاً لينظر من النافذة المطلة على الحديقة، آملاً أن يجد شيئاً يزيح عنه تلك الهموم الجاثمة على صدره، والتي زاد تراكمها بعد زيارة ذلك المحقق!.. ولدهشته الشديدة؛ رأى سورا!!

راوده شعور غريب لم يستطع تحديده، غير أن ما أدركه جيداً في تلك اللحظات؛ هو أنه على أتم الاستعداد لمقابلتها.. وقبل أن يأتيه حارسه الوفي بخبر الزائرة؛ أسرع يفتح الباب منادياً عليه:

– ما الذي تريده الآنسة يا عواد؟

أما سورا التي باغتتها طلته المفاجأة؛ فقد ارتجف قلبها، وشعرت ببرودة في أطرافها، وشلل في لسانها؛ ألجمه عن الكلام! ولم يُخرِجها من حالتها تلك؛ سوى كلمات البستاني:

– السيد يسأل.. مالذي تريدينه؟

ارتبكت سورا قليلا، قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها، موجهة حديثها للبستاني:

– لدي أخباراً تهمه كثيراً، غير أنها أخبار خاصة، لا يمكنني التحدث بها هنا..

لم تدرِ سورا ما الذي حدث بالضبط بعد ذلك، إذ كان فكرها مشغولاً بالطريقة التي ستبدأ فيها الحديث مع أيهم.. وجها لوجه.. لأول مرة بعيدا عن سوسن! لدرجة أنها لم تذكر كيف قطعت خطواتها عبر الحديقة، حتى استقرت في صالة الاستقبال أمامه..

لم تستطع رفع عينيها لتواجه عينيه، رغم شعورها بنظراته المتسائلة.. فطال الصمت أكثر مما ينبغي.. فحتى أيهم… تسللت إليه العدوى على ما يبدو… فآثر الجلوس بصمت؛ حتى تبدأ حديثها معه، دون أن يستطع منع نفسه؛ من تخيل آخر مشهد جمعهما معا، في حفل النجوم!!!

وأخيراً.. تكلمت سورا دون أن تنظر نحوه:

– حقاً إنني آسفة لما حدث..

فوجيء أيهم بكلماتها، فهل هي على علمٍ باختفاء سوسن!! لقد أخبره رامز بأنه لا يريد للخبر أن ينتشر، فمن أين لسورا علمٌ بذلك! أم أن الخبر انتشر بعد خروج رامز من عنده قبل الظهيرة!! وقبل أن يهم بسؤال سورا عن مدى معرفتها بهذا الأمر، قالت سورا بنبرة مواسية:

– لم أتوقع من سوسن أن تتصرف هكذا أبداً.. أنت لا تستحق ذلك منها.. فقد كنتَ رائعاً معها.. ولكنها لم تفهمك على ما يبدو.. مما جعلها تقدم على تلك الخطوة!

عندها لم يملك أيهم نفسه، وقد باتت تلك الهواجس التي أسرّ بها إلى رامز تتمثل أمامه، هل يعقل أن سوسن فعلت شيئا كهذا!! فسألها بقلق:

– هل تقصدين أنها هربت بملء إرادتها؟

لم تفهم سورا ما الذي قصده أيهم بسؤاله، فرمقته بنظرات استفهام متعجبة، وهي تردد كلمته بتمعن:

– هربت؟؟!!!!

ورغم أن سورا لم تجب أيهم بشيء محدد؛ إلا أنه شعر بارتياح مفاجيء لردة فعلها.. فعلى الأقل؛ سورا لم تقل بأن سوسن هربت، ويبدو أنها لا تعرف شيئاً بهذا الخصوص…

أما سورا التي شعرت بوجود سوء فهم بينها وبين أيهم، فقد حاولت استنباط ما يجول بخاطره، والذي دفعه لطرح سؤاله الأخير!! هل حدث شيء آخر بين أيهم وسوسن غير فسخ الخطوبة!! وتمنت لو أنه يصارحها بكل شيء دفعة واحدة، بدلاً من محاولاتها الجاهدة لاستخراج ما يخفيه صدره عنها..

حل بينهما الصمت الثقيل مجدداً، ولم تجد سورا بداً من قطعه بنفسها للمرة الثانية على التوالي، فقالت بنبرة لا تخلو من ألم:

– قد لا أعني لك شيئاً.. ولكنني بالفعل أهتم كثيراً لأمرك.. لقد آلمني حزنك الدفين خلال تلك الحفلة، التي أعدت خصيصا لتكريمك بعد أن حققتَ مركزاً عربياً لامعاً، يحسدك عليه جميع النجوم.. كنتُ أشعر بألمك، رغم ابتسامتك التي حاولتَ رسمها على شفتيك.. لقد آلمني ذلك كثيراً.. حتى بت متأكدة من شكوكي، حول فسخ الخطوبة بينك وبين بسوسن..

وأمام إقرار أيهم الذي دل صمته عليه؛ صمتت قليلا قبل أن تتابع بمرارة:

– أعلم أن سوسن تعني لك الكثير.. فخاتم خطوبتها لا يزال في يدك، رغم أنها تخلت عنه بسهولة.. ولكن ما حدث قد حدث، وأنا متأكدة الآن، بأنها هي من اختارت فسخ الخطوبة، ولن تتراجع في قرارها أبداً، فهل ستقتل نفسك من أجلها؟؟؟

قالت كلمتها الأخيرة بمرارة واضحة، فيما ترقرقت الدموع في عينيها.. أما أيهم الذي كان يستمع إليها بصمت، فقد شعر بوخزة في صدره.. إنه واثق من أن سوسن لم تتخلى عنه بسهولة، كان هناك شيء ما؛ يدفعها لذلك دفعاً بلا شك.. ولا يزال هنالك أمل دفين في عودتها إليه…

وأمام صمته، قالت سورا:

– لقد ترَكَت سوسن رسالة واضحة لنا جميعاً.. فهل تعرف ما الذي قصدته بقولها:

“تركته لأجلك”؟

نظر إليها أيهم مستفهماً، فوضّحت سورا كلامها:

– كان هذا عنوان لوحتها الأخيرة، التي رسمتها قبل أن تترك المعهد قبل يومين، غير أنني لم انتبه لذلك إلا بعد أن جاء الاستاذ سامر وقرأ رسالتها، وأظنه فهم ما قصدته!

لم تكد سورا تأتي على ذكر سامر؛ حتى شعر أيهم بغضبٍ مفاجيء يغلي في صدره، فسأل سورا باهتمام:

– ما الذي تقصدينه بأن سامر فهم رسالتها؟

ولم تكن سورا لتضيع فرصة كهذه، فقالت بتردد ظاهر:

– لستُ واثقة.. ولكن يبدو أن الاستاذ سامر؛ قد فهم بأن هذه رسالة منها إليه..

لم يعد أيهم قادراً على احتمال المزيد.. فنهض من مكانه، وهو يجوب الغرفة محدثاً نفسه بغضب..

مالذي تعنيه بكلامها هذا!! هل تركتني لأجل ذلك الوغد!!

أما سورا التي راعها الحال الذي استبد بأيهم، والذي قد لا يخدمها أبدا، فقد أسرعت تحاول تهدئته بقولها:

– ربما كان فهمي خاطئاً، قد تكون تقصد شيئا له علاقة بالفن…!

قالت كلمتها، وهي تكاد تتميز من الغيظ، فهل يُعقل أن تقوم بتبرير تصرفات سوسن بنفسها، لكي يهدأ أيهم!!!! ولم تستطع الاحتمال أكثر، وهي تشعر بالقهر الشديد؛ فانفجرت باكية، ونهضت من مكانها لتسرع بالخروج من هذا المكان بأي طريقة، غير أن أيهم الذي انتبه فجأة لما يدور حوله؛ أمسكها من ذراعها مستوقفا:

– انتظري لحظة أرجوك…

فوقفت سورا، وهي تشعر بدوار خفيف في رأسها، من كثرة المشاعر المختلطة والمتلاطمة فيه، كاد أن يفقدها توازنها، خاصة وهي تلتقط بصعوبة أنفاسها المنتحبة، فأسندها أيهم قائلاً:

– لم لا تجلسين قليلا لنتحدث بهدوء؟

ولم تجد سورا بداً من الانصياع لكلماته.. باستسلام تام…

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 46

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

دلف رامز مسرعاً إلى العمارة التي تحتضن شقته في دورها الثالث، وهو يحتضن ذلك المغلف الثمين بكلتا ذراعيه، وبدلا من استخدام المصعد؛ آثر صعود الدرج، كنوعٍ من الحرص على مغلفه الثمين، رغم أنه لم يجد مبرراً مقنعاً لتصرفه ذاك!!

ولم يكد يستقر على مقعد مكتبه، بعد أن أغلق باب الشقة خلفه بإحكام، حتى تناول قاطعة الأظرف من حافظة الأقلام، لتباشر عملها بفتح المغلف بحذرٍ شديد..

وما أن أفرغ محتوياته على سطح المكتب أمامه، ليبدأ دراستها بدقة؛ حتى شدّت انتباهه صور الفتاة الضائعة، وقد هاله جمالها الفاتن لوهلة! غير أنه سرعان ما وضع الصور من يده جانباً، وهو يحاول طرد فكرةٍ تسللت إلى رأسه خلسة، ملوحاً بيده في الهواء أمامه، كمن يطرد ذبابة تحوم حوله بإصرار، مذكراً نفسه:

– عليّ أن أكون مهنياً في عملي أكثر، فيكفي ما ارتكبته من خطأ فادح لهذا اليوم، وإلا.. أضعتُ هدفي الذي ناضلتُ من أجله، طوال السنوات الماضية!!

***

أغلق تامر سماعة الهاتف، وهو يتنفس الصعداء، بعد أن بذل جهداً كبيراً في محاولة طمئنة السيد كارم بخصوص ابنته، وهو يوضح له كافة الاجراءات التي اتخذها من أجل الوصول إلى مكانها في أسرع وقت ممكن، دون لفتٍ للأنظار..

أخرج السيجارة الثالثة من جيبه، ليحرق معها همومه بهذا الشأن كما أوهمته نفسه، رغم إدراكه بأنه يحرق رئتيه لا أكثر!!

نفث الدخان حوله بضيق، فما زاده ذلك إلا ضيقاً على ضيق، وهو يسترجع تلك اللحظة، التي ظهر فيها رامز أمامه أول مرة..

بدا له شاباً متحمساً، وهو يعرض عليه فكرة استخراج رخصة للعمل كمحقق خاص، عارضاً عليه خبراته السابقة في هذا المجال..

كانت أوراقه الثبوتية، وشهادات التزكية، وخبرته في تلك الدولة الاجنبية، التي يحمل اسمها على جواز سفره، لا غبار عليها، وفوق الشبهات تماماً.. غير أن المشكلة الوحيدة هي أنه لم يسبق استخراج رخصة لهذا العمل، في هذه البلاد من قبل!! بل إنه يكاد يجزم أنه لم يسبق لدولة عربية أخرى؛ أن أصدرت مثل هذا التصريح!!

محقق خاص!!! اسم لم يسمع به سوى في الروايات البوليسية!! أما في الواقع العربي تحديداً.. فهذا يبدو غريباً.. بل غريباً جداً!!

ما زال صدى كلمات رامز الحماسية في ذلك الوقت يرن في أذنيه..

فبعد أن سأله عن سبب اختياره لهذه البلد بالذات؛ ليمارس فيها هذه المهنة بالذات أيضا، أجابه بوضوح:

– كان من الممكن أن يكون اختياري لأي دولة عربية أخرى، وسيتم سؤالي هذا السؤال نفسه.. ما يهمني هو أن أثبت وجودي في دولة عربية، فأنا مهتم جداً بدراسة البيئة العربية، وقد قضيتُ سنوات لا بأس بها في الدراسة في هذا المكان، حتى أتقنتُ لهجة أهل البلد، مما جعلها أقرب البلاد العربية إلي.. ولأن التحقيق الخاص، هو هوايتي قبل أن يكون مهنتي في بلادي؛ فقد قررتُ ممارسة عملي هنا.. وهكذا أكون قد ضربتُ عصفورين بحجرٍ واحد!

ألا تقولون هذا في أمثالكم!

وقتها لم يجد تامر بداً من إبداء نوعٌ من الاهتمام بطموح هذا الشاب الاجنبي الوافد، بعد الحاحه الشديد عليه، رغم إدراكه في قرارة نفسه؛ أنه لن يقوم بعمل أي شيء لمساعدته على تحقيق رغبته.. كان وعداً أشبه بالمجاملة لا أكثر.. ولم تخفَ على ذلك الاجنبي هذه الحقيقة..

لكن القدر أبى إلا أن يقف إلى جانب ذلك الشاب المتحمس!!! لقد أعلنت الظروف العربية المحيطة ولاءها لهذا الشاب الأجنبي، كغيرها مما التصق به صفة العروبة في هذه الأيام، فأبت إلا أن تقدم له هديتها على طبقٍ من ذهب!!! حتى الظروف أصابتها عقدة “الخواجة” على ما يبدو!!

لم يصدّق تامر نفسه بداية عندما هاتفه كارم أول مرة، بخصوص اختفاء ابنته!! وهو يؤكد عليه ضرورة التحقيق السري في قضيته هذه، بل ويعرض عليه فكرة استئجار محقق خاص لهذا الغرض!!! ولولا معرفته بطبيعة كارم؛ لظن بأنه متآمرٌ مع ذلك الشاب، ليحقق له مطلبه؛ بالحصول على تصريح تحقيق خاص من النيابة العامة!!

وهكذا.. لم يجد تامر بداً من الاتصال برامز، ليشرح له القضية، ويحدد معه موعداً في منزله..

ولكن… هل هو حقاً أهلٌ للثقة كما تثبت أوراقه!!! هل تسليم هذا الرجل الاجنبي؛ قضية حساسة كهذه، يُعتبر أمرا حكيماً!! صحيح أنه يتكلم العربية بطلاقة، ولكنه أجنبي حتى النخاع، كما يبدو من أوراقه!! فهل هذا الأمر يقف ضده أم لصالحه!! أليس الاستعانة بالأجانب أفضل في جميع الأحوال!!!

هذا ما كان يأمله تامر في تلك اللحظات، عندما دخلت عليه الخادمة مسرعة، وفي يدها كوب ماء بارد، بعد سماعها لنوبة سعاله الحاد! ورغم أن سحابة الدخان الكثيفة؛ أخذت تحجب الرؤية الجيدة أمام عينيه، إلا أن آلية التدخين التي برمج عليها جسده؛ أبت التوقف عن عملها، ولو على سبيل المجاملة لذلك الجسد المرهق!!

وضعت الخادمة أمامه كوب الماء، على أمل أن يأخذ استراحة قصيرة من ذلك التعذيب، قائلة بأدب:

– هل تأمرني بشيء سيدي؟

فتناول تامر كوب الماء ليجرعه دفعة واحدة، قبل أن يقول:

– أحضري لي علبة سجائر جديدة..

***

بذل رامز جهداً كبيراً في اقناع ذلك البستاني الحارس، ليسمح له بمقابلة سيده دون جدوى..

كانت كلماته واضحة، وهو لا يكل ولا يمل من ترديدها بإصرار:

– لا يرغب السيد أيهم بمقابلة أي أحد كائن من كان!

وأخيراً قرر رامز المخاطرة، فناول البستاني ورقة صغيرة من سترته، خط عليها عدة كلمات، قدمها للبستاني بعد أن طواها جيداً، قائلاً:

– أرجو أن تقدم هذه للسيد أيهم، وأنا واثقٌ من أنه سيطلب مقابلتي حالاً، لذا أرجو أن لا تتأخر في عرضها عليه، وإلا قد تتسبب في غضبه..

فرمقه البستاني بنظراتٍ يشوبها الشك والريبة:

– إياك أن تكون هذه إحدى حيل الصحافة المقيتة!

فعاجله رامز بنبرة لا تخلو من توسل:

– لقد أقسمتُ لك بأنني لست صحفياً ولا علاقة لي بالصحافة، ولا بعالم الفن بأكمله.. الموضوع أكبر من ذلك بكثير.. صدّقني..

فتناول البستاني الورقة، تاركاً رامز واقفاً مكانه، خارج بوابة الحديقة المنزلية، التي تفصله عن المدخل اكثر من عشرين خطوة.. وقبل أن يذهب البستاني؛ قال رامز:

– لا يمكنني أن أمنعك من فتح الورقة، ولكن السيد أيهم سيفضّل أن لا تفعل ذلك، وأنا أثق بك..

لم يعلّق البستاني بشيء، بل أسرع بالالتفاف حول المنزل من داخل الحديقة، التي يقيم في زاويتها بناء خارجي صغير، خمّن رامز أنه محل إقامة هذا البستاني وزوجته، التي تعمل في تدبير منزل أيهم، كما ورد في المعلومات عنه، ولا شك أن هناك بوابة جانبية أخرى، تؤدي للمنزل، لتكون الصلة بين أيهم ومستَخدَميه..

ولم يخب ظن رامز، إذ سرعان ما أسرع البستاني نحوه، ليفتح له باب الحديقة، ويدعوه إلى الدخول من البوابة الرئيسة، معتذراً عن تركه في الخارج خلال تلك المدة:

– أنت تعلم طبيعة عملي يا سيد رامز.. فأنا بستاني وحارس في الوقت نفسه، ولا يمكنني مخالفة تعليمات السيد أيهم… خاصة وأن هناك مئات الفضوليين الذين لا يتركونه وشأنه أبداً..

فابتسم رامز وهو يتبعه بارتياح:

– لا تشغل بالك بذلك، فبالطبع إنني أتفهم أداءك لواجبك جيداً..

وما أن خطا رامز خطوتين عبر مدخل المنزل الرئيس، حتى فوجيء برؤية ذلك النجم، وقد بدا أكبر من شكله في الصور؛ بعشر سنوات على الأقل!!

وبعد أن استقر الاثنان في مجلسهما أمام بعضهما البعض؛ عاجله أيهم بالسؤال، وهو يتفحصه بعينين واهنتين:

– هل حقا أنت مبعوث من قِبَل سوسن؟

تنحنح رامز في مجلسه قليلا، قبل أن يقول:

– أرجو أن لا تغضب مني يا سيد أيهم، ولكن قضية سوسن شائكة أكثر مما تتصور، وقد جئت لأناقش معك هذه القضية، بصفتك أقرب الناس إليها..

فتنهد أيهم بألم:

– لم أعد واثقاً من هذا أيها السيد..

لكنه بتر عبارته ليقول فجأة:

– لم تخبرني بعد، عن علاقتك بسوسن؟ هل هي من أرسلتك إلي؛ لتحل هذه القضية الشائكة التي تتحدث عنها؟؟؟

فهز رامز رأسه موضحاً:

– ليس الأمر هكذا..

وصمت قبل أن يتابع، وهو يبذل جهده لانتقاء الكلمات المناسبة:

– حسناً.. هي لم ترسلني بشكل مباشر.. أو بالأحرى هي لا تعرفني أصلاً، ولا تعرف أنني أتيتُ إليك بشأنها….

فقاطعه أيهم بغضب:

– وكيف تجرؤ على استخدام تلك الحيلة الرخيصة لمقابلتي أيها الوغد!!!!

فهدّأه رامز بقوله:

– أرجو أن لا تُسيء فهمي يا سيد أيهم، فإنني أتيتُ بالفعل من قِبَل الآنسة سوسن.. يمكنك القول أنني أتيت من قِبَل قضيتها؛ لأكون أكثر دقة..

وأمام ضيق أيهم، الذي ارتسم بوضوح على ملامح وجهه، تابع رامز بسرعة:

– لن أثقل عليك وسأدخل في الموضوع مباشرة..

والتقط نفساً عميقاً قبل أن يقول بتردد، وهو يحاول استخدام أكثر العبارات تأثيراً في نفس أيهم:

– هل تعرف أن الآنسة سوسن قد اختفت بعد فسخ خطوبتكما؟

لم يخفَ على رامز رؤية علامات الدهشة الواضحة على وجه أيهم، والذي كرر كلماته بذهول:

– سوسن.. اختفت!!!! ما الذي تقصده بذلك؟؟

فقال رامز:

– أقصد ما سمعتَه مني بالضبط.. الآنسة سوسن اختفت، ولم تعد إلى منزلها منذ يومين، أي منذ فسخ الخطوبة!

فصرخ أيهم بوجهه وقد طفح به الكيل:

– هل تمزح معي أم ماذا!! ما الذي تقوله يا هذا!! وما الذي تريد الوصول إليه في النهاية؟؟ لقد هاتفني والدها بالأمس أو قبل الأمس، لا أذكر متى كان ذلك تحديداً، وكنت أظنه سيناقشني في أمر الخطوبة، غير أنه اكتفى بسؤالي عنها، ولدهشتي الشديدة؛ تفاجأ بخبر فسخ ابنته لخطوبتنا، ورغبتها بإنهاء كل شيء بيننا.. بعدها.. لم يعاود الاتصال بي مطلقاً، رغم أنني كنت أتوقع اتصاله في كل لحظة!! فما الذي تقوله أنت؟؟؟

أخذ أيهم يلتقط أنفاسه اللاهثة بصعوبة، بعد أن أفرغ ما في صدره دفعة واحدة، وأمام صمت رامز، رمقه أيهم بنظرات حادة:

– هل لي أن أعرف من تكون بالضبط؟؟

وبدلاً من أن يجيبه رامز عن سؤاله، طرح سؤالاً آخر:

– وماذا عن حجاب الآنسة؟ هل كان هو السبب في ما آلت إليه الأمور بينكما؟

شعر أيهم بصدره يغلي كالمرجل، فصرخ بوجه رامز كثور هائج وصل ذروته:

– ومن أنت لتطرح عليّ مثل هذه الأسئلة؟ لقد تجاوزت حدك يا هذا!!

وقبل أن يهم أيهم بالقيام من مجلسه، وقد بدا على وشك الاستعانة بالحارس؛ لطرد هذا المزعج من أمامه، أسرع رامز بإخراج بطاقة خاصة من جيب سترته، وضعها أمام أيهم معتذراً:

– أعتذر بشدة عن كل ما سببته لك من إزعاج يا سيد أيهم، لم أقصد إثارة غضبك، ولم أكن أرغب بإثارة مخاوفك أكثر، ولكن كما ترى..

وتابع كلامه، وهو يرى أثر البطاقة على وجه أيهم:

– لا نريد إثارة ضجة في هذا الأمر، وأنت تدرك مقدار الجلبة التي سيثيرها الاعلام والرأي العام؛ إذا ما تسرب خبر اختفاء الانسة سوسن لهم.. لذا وجدتُ أنه من الأفضل مناقشة هذه القضية معك بصمت، وأعدك أن أكون عند حسن ظنك، فأنت بلا شك لا ترغب بالوقوع في مزيد من المشاكل بسبب هذه القضية..

لاذ أيهم بالصمت، كمن سُكب على رأسه دلو من الماء البارد، فقد كان هذا آخر ما يخطر بباله..

محقق خاص مفوض من رئيس المباحث والجنايات العامة!!!

لا شك أنه يحلم!! أو ربما يهذي!!

وأمام صمت أيهم، تابع رامز كلامه:

– أعتقد أن الأمور أصبحت واضحة الان يا سيد أيهم، سوسن اختفت ولا أحد يعرف ما الذي حل بها منذ يومين، ولا يخفى عليك وضع والدها الحرج، خاصة وهو على وشك استلام مهمام رئاسة الوزارة قريباً، وأريد منك أن تخبرني بكل شيء تعرفه عما حدث معها في ذلك اليوم، فهذا قد يساعدنا… ويساعدك أيضاً..

قال كلمته الأخير، مشدداً على حروفها، بنبرة ذات مغزى.. قبل أن يقول:

– ولا داعي لأن أذكرك بضرورة المحافظة على سرية هذه الزيارة، فأنت تدرك تماماً أهمية ذلك بالنسبة للجميع، بما فيها سمعتك أيضاً..

أُسقط في يد أيهم، وقد بدا كالعصفور الجريح، الذي استسلم أخيراً ليد قانصه!

***

شعر سامر بدوار في رأسه، كاد أن يفقده توازنه، مما جعل ناديا تطلب له كوباً من الماء البارد، وهي تشير له بالجلوس قائلة:

– إنني بالفعل آسفة جداً لما حصل، ولكن لم يكن باليد حيلة.. كان هذا قرارها، ولم يكن بإمكاني منعها أو إجبارها على شيء لا تريده..

لم يصدق أذنيه في البداية.. سوسن لم تكتفي برفض دعوته القيمة، للمشاركة في المنافسة العالمية؛ بل تركت المعهد أيضاً!!

هل يعقل أنه دفعها بتهور؛ لترك عالم الفن بأكمله!! ستكون هذه خسارة فادحة.. بل مصيبية حقيقية!!!

لقد كان ينوي فتح صفحة جديدة معها، معنونة بصداقة بريئة لا أكثر، بعد أن يعتذر لها عن كل ما سببه لها من إزعاج.. أما أن تصل الأمور بها إلى هذا الحد، فهذا ما لم يكن يتوقعه منها على الاطلاق!!

شعر بألم كبير في صدره، وضغينة سوداء تجاه ذلك الشخص المدعو أيهم!! هل ستكرس حياتها من أجله، وله وحده فقط!!! هذا كثير عليه بلا شك!!!

كان غارقاً في أفكاره تلك، التي لم تترك له مجالاً لاستيعاب كلمات ناديا، مما جعلها تعيدها على مسامعه مرة أخرى، وهي تقدم له كوب الماء، الذي أحضرته العاملة:

– أستاذ سامر.. هل تسمعني؟ هل أنت بخير؟؟

فحملق فيها سامر بذهول، كمن أفاق فجأة من سكرته، قبل أن يتناول كأس الماء من يدها، مبررا موقفه:

– لقد فاجأني الخبر حقاً.. خاصة وأن هذا سيربك ترتيباتنا، التي أعددناها للمنافسة العالمية الخاصة بمحترفي الفن!

وأمام حرج ناديا الواضح، تكبّد سامر عناء الابتسام لها قائلاً:

– لم تكن غلطتك على أية حال…

ثم صافحها مجامِلاً:

– أشكرك على كل ما قدمتيه لنا حتى الان، أراك لاحقاً..

وقبل أن يهم بالمغادرة، وقعت عيناه على لوحة سوسن الأخيرة، فتوقف لبرهة، وقد سرت قشعريرة في جسده، فيما قالت ناديا موضحة:

– كنتُ سأريك إياها.. إنها لوحة سوسن الأخيرة..

فاتسعت عينا سامر بدهشة:

– منذ متى وسوسن ترسم بهذا الأسلوب!!

ولم تكد عيناه تقعان على اسم اللوحة؛ حتى شعر بالأرض تموج من تحت قدميه، فارتكز على الجدار، وقد غامت الدنيا أمام عينيه فجأة، وهو يتمتم بذهول:

– هل هذه رسالة لي يا سوسن!!

وفي محاولة يائسة للسيطرة على ما تبقى من وعيه، أسرع يودع الآنسة ناديا، مغادراً المعهد الذي كان يعني له شيئا جميلاً قبل أيام قليلة فقط!! أما الآن.. فلم يعد يلوي على شيء؛ سوى الخروج من هذا المكان بأسرع وقت ممكن، حتى أنه لم ينتبه لذلك الشاب الذي اصطدم به، وهو ينزل الدرج بسرعة، فلم يكلف نفسه عناء الاعتذار منه! وبدل أن يستقل سيارته، أخذ يسير في الطرقات على غير هدى، وهو يحدث نفسه في حالة يُرثى لها:

– يا إلهي.. هل يُعقل هذا!! هل حقا تركتِ المعهد بسببي يا سوسن!!!

لم يدرِ كم من الوقت مر عليه وهو على تلك الحالة؛ حتى أنهكه التعب، بعد أن استهلك طاقته بأكملها في المشي، فما كان منه إلا أن جلس على رصيف الشارع، الذي وجد نفسه فيه دون وعيٍ منه، ولدهشته الشديدة؛ لمح بطاقة ملقاة على الأرض أمامه، بدا منظرها غريباً عن هذا المكان شبه المهجور، فيما أخذ شعور غريب يلح عليه بشدة، فنهض من مكانه ليلتقطها، وما أن قرأ ما كُتب عليها بخط واضح “أذكار الصباح والمساء”، حتى شعر بأنه يوشك على الانهيار فعلاً.. لقد لمح هذه البطاقة بالذات مع سوسن، لا شك في هذا، فقد تعجب وقتها من أن تكون فتاة مثلها؛ مهتمة بمثل هذه الأمور!!! فما الذي أتى بهذه البطاقة هنا! وهل هي حقاً لها؛ أم انه بات مجنوناً يتوهم أن كل شيء له علاقة بها!!!!

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
تركته لأجلك

تركته لأجلك! – الحلقة 45

عن القصة:

رواية عاطفية متسلسلة من نوع خاص، تتحدث عن شابة حسناء ثرية وماهرة بالرسم، ترتبط بنجم مشهور بعد أن وقع في حبها من النظرة الأولى، لتبدأ بعدها حياة جديدة لم تتوقع أن تواجهها يوما ما..”

شباب وشابات تختلط مشاعرهم في هذه الرواية وتتشعب، فهل “الحب” هو السبب؟!!

التصنيف: رومانسي، دراما، غموض، سينين

انهمرت الدموع غزيرة على وجنتي سوسن وهي ترتكز على نافذة السيارة، بعد أن أنهت مهمتها في البنك، شعرت بأنها على وشك الانهيار، ولا يفصلها عن ذلك إلا رحمة الله وعنايته! فرغم أنها كانت مستعدة لأسوأ الاحتمالات، إلا أن حدوث ذلك حقيقة، لم يكن أمرا سهلا على الاطلاق، وبحركة تلقائية تحسست بنصر يدها اليمنى، حيث أقام خاتم خطوبتها فيه باستمرار، كان أعز ما تملك، ولم تتصور يوما، أنها هي من ستنزعه بكامل إرادتها!! لقد اتخذت قرارها الدامي أخيرا، بل أصعب قرار تتخيله، ولم يعد هناك مجال للتراجع، وأخذت الذكريات تموج بخاطرها كسحائب عابرة، بدت معها شبه غائبة عن الوعي، حتى أنها لم تنتبه لسؤال مرزوق، الذي أعاده عليها مرتين على الأقل:

– هل بقي هناك مكان آخر ترغبين في الذهاب إليه يا آنسة؟

فأجابته دون وعي:

– لا..

وإذ ذاك انتبهت لعدة اتصالات تلتها رسالة على هاتفها، لم تكن قد انتبهت لها من قبل، ففتحتها بلهفة، غير أن خيبة الأمل سرعان ما ارتسمت على وجهها، وهي تقرأ اسم المتصل والمرسل:

” لقد نسيت أن تكتبي اسم اللوحة يا سوسن، فما هو؟ أرجو أن تردّي للأهمية”

فابتسمت بحزن، حقا.. لكلٍ همومه! وطبعت بأناملها؛ جملة واحدة من كلمتين، أرسلتها لناديا، وهي تستشعر حالتها التي هي عليها الان..لقد انتهى كل شيء..!!

فما الذي ستقوله لوالديها، بعد أن ارتدت الحجاب، وفسخت خطوبتها بنفسها!!! بأي وجه ستقابلهم اليوم بعد عودتهم من رحلتهم الانتخابية، لٌإقامة الاحتفالات البهيجة بتلك المناسبة!!! الجميع في منزلها مشغولون بالاستعدادات لهذه المناسبة السعيدة، بما فيهم بهجة، فكيف سيكون موقفهم منها!! كيف ستواجه والديها بهذا التغيير الكبير الذي طرأ في حياتها على حين غرة!!!!

كلا.. لم ينتهِ كل شيء بعد، بل بدأت الأشياء الآن!!!

يــــارب.. اكفني ما أهمني، ودبر أموري فإني لا أحسن التدبير..

ثم تناولت بطاقة الأذكار من جيبها، والتي احتفظت بها، منذ أن أعطتها إياها بهجة، لعلها تجد فيها ما يؤنس قلبها، فبذكر الله تطمئن القلوب…

لم تدر سوسن كم مر عليها من الوقت وهي على تلك الحالة، حتى انتبهت فجأة للشوارع المهجورة، التي تراها لأول مرة، فنظرت نحو مرزوق لتسأله بدهشة:

– ما هذا المكان؟ لا أذكر أننا مررنا من هنا سابقا، فهل هو طريق مختصر للمنزل!!

وأمام صمت مرزوق المريب، انتابها شعورٌ بالخوف، غير أن الرعب بلغ بها ذروته، عندما توقفت السيارة فجأة، لتفاجأ بأربعة رجال ملثمين، يحيطون بهم من كل جانب..

فهتفت في هلع:

– مرزوق.. مالذي يجري هنا؟؟ إنني لا أفهم شيئا!!!

إلا أن الصدمة ألجمتها، وهي ترى أحد الملثمين يقترب من مرزوق، الذي فتح له باب السيارة الامامي بهدوء:

– هل تخدعنا يا رجل!! هل تريدنا أن نصدق أن هذه الفتاة المحجبة؛ هي ابنة كارم؟؟

فما كان من مرزوق إلا أن أجابه بتوتر واضح:

– أقسم أنها هي، لقد فوجئت مثلكم بارتدائها الحجاب هذا اليوم فقط! ستجدون جميع اثباتاتها الشخصية في حقيبتها، فتأكدوا بأنفسكم، واتركوا عائلتي وشأنها الان، فقد أديت المهمة..

تسارعت النبضات في صدر سوسن، أهؤلاء هم الأعداء الذين تحدث عنهم والدها ذات مرة، فأحضر لها هذا السائق الأمين ليكون حاميا لها منهم!!!!

وقبل أن تهم سوسن بفتح فمها، شعرت بيد قوية تُكممه بعنف، حتى شعرت بالاختناق الشديد، فانتفضت بشدة في محاولة يائسة للدفاع عن نفسها، غير أن الرائحة النفاذة التي بدأت تتسلل إلى رأتيها، باشرت مفعولها في التخدير فورا..

ورغم استبسال سوسن في مقاومة الدوار الذي بدأ يُثقل رأسها، إلا أنها بدأت تفقد السيطرة تدريجيا، وهي تشد على ردائها، أمام تلك الحادثة المريعة التي بدأت تتهددها، وهي فتاة وحيدة بين اولئك الرجال! لم تكن خائفة منهم، بالقدر الذي خشيت فيه من أمرٍ واحدٍ فقط، فهو أسوأ موقف قد تتعرض له أي فتاة عربية عفيفة شريفة، بل أكبر مصيبة تهدد أسرتها بأكملها!!!

ومع تمكّن المخدر منها؛ تراخت يداها، وأخذ المشهد الأخير بينها وبين أيهم؛ يلوح في مخيلتها بضبابية، فرددت بكلمات واهية، لم تتجاوز حدود فكرها:

– يــــارب..إن كنت تعلم أنني (تركته لأجلــــــك).. فاحفظني ولا تهتك ستري..

وغابت عن الوعي….

********

فتحت سوسن عينيها بصعوبة، وهي تشعر بخدر غريب يسري في أضلاعها، وآلام حادة في عظامها، فيما كانت أنفاسها المخنوقة تعبر عن صعوبة استنشاق الهواء الثقيل الرطب، الذي يحيط بها من كل جانب، أغمضت عينيها وفتحتهما مجددا لعلها ترى شيئا، غير أنها لم تجد أمامها سوى الظلام!! ظلام حالك السواد، ظلام لا يمكن أن ترى أشد إظلاما منه!!

لا شيء حولها سوى الظلام..

ظلام في ظـــــــــلام في ظـــــــــــــــــــــلام…

أغمضت عينيها وفتحتهما تكرارا ومرارا؛ لعلها تستيقظ من هذا الكابوس المظلم، فلطالما راودتها كوابيس الظلام من قبل، غير أن الظلام كان حقيقيا هذه المرة…

*****

كانت ساعات الصباح الاولى تبشر بيوم عادي من أيام المدينة، فالطرقات لم تزدحم بالسيارات بعد، وعمال النظافة يجوبون الشوارع بحماسة، لعلهم يحظون بمتعة رؤيتها نظيفة، قبل أن يمارس المارة هواياتهم المعتادة في رمي القمامة، لتتبجح بعدها ألسنة البعض منهم؛ بنظافة الشوارع التي زاروها في البلاد الأجنبية، بينما تشارك أيديهم في تلك الهواية القذرة!!

وأمام منزل جميل في أحد الأحياء الهادئة، أوقف شاب سيارته الحديثة، في مصف المنزل الخاص، الذي كان في استقباله، وبعد أن سوى هندامه أمام زجاج النافذة، وتأكد من أناقة بدلته الثمينة، التي لا تدع مجالاً للشك بأنه على موعد هام جداً؛ خطا خطوات رزينة نحو جهاز الاستقبال المعلق أمام المدخل الرئيس، وما أن نطق باسمه رداً على سؤال الخادمة؛ حتى أسرعت بفتح الباب، لتقوده نحو غرفة سيدها الخاصة، قائلة بأدب:

– شكرا لمجيئك، السيد تامر ينتظرك بفارغ الصبر..

سار خلفها بهدوء، حتى إذا ما أدخلته غرفة المكتب الخاصة بالسيد تامر، قلّب عينيه في أرجائها بتمعن، لتستقرا أخيرا على الرجل المنكب على مكتبه، أثناء تفحصه لبعض الأوراق باهتمام، فتساءل بتعجب، وقد استرخت عضلاته المتأهبة نوعاً ما:

– ألا يفترض أن يكون السيد (العميل) هنا؟

ودون أن يرفع الرجل عينيه عن الأوراق، أجابه بهدوء:

– اجلس الان يا رامز، فالأمر ليس بالسهولة التي تتصورها، وعمل كهذا يجب أن يؤخذ بجدية تامة..

شعر رامز ببعض الضيق لتلك الكلمات، ولم يستطع مقاومة التعليق عليها بقوله:

– أنت تعلم تماماً يا سيد تامر بأنني لم أعرض عليك الفكرة، إلا بعد دراسة طويلة وتفكير عميق، وأنت الذي رفضتها بداية، ولستُ أدري أي نوعٍ من الرجال هذا الذي جعلك تفاتحني في الموضوع من جديد، بعد أن يئست من إقناعك بجدواها!!

عندها رفع الرجل عينيه عن الورق، وثبّت نظراته على ذلك الشاب المتوثب، وهو يستقر على مقعدٍ وثيرٍ أمامه:

– حسنا.. ربما أكون قد أخطأتُ في تقييم فكرتك، غير أنني الان في موقف لا يدع لي خيار آخر من تجريبها، وأعدك بأنك إن نجحت في هذه المهمة، فسأشرف بنفسي على ترخيص أول مكتب تحقيقات خاصة من أجلك..

عندها تهلل وجه الشاب بابتسامة مشرقة:

– يبدو الأمر مغرياً فعلاً، وإنني في شوق شديد لشحذ مواهبي بهذا الخصوص..

غير أنه استدرك فجأة:

– أرجو المعذرة.. ولكن ما الذي يجعل صديقك يلجأ إلي، وأنت من أكبر المحققين في سلك المباحث والجنايات العامة!!!

فأجابه تامر:

– لقد قلتَها بنفسك، لأنني في سلك المباحث العامة، وصديقي لا يريد أن تصبح قضيته قضية عامة، يريد البحث بهدوء، بعيداً عن أي ضجة، ولم يكن بإمكاني تقديم هذه الخدمة له بحكم منصبي الحالي!!

أومأ رامز رأسه متفهماً:

– حسنا، للأسف كنت أود مقابلة هذا الصديق، فربما أتمكن من فهم قضيته أكثر! فلا شك أنك تعرف يا سيد تامر، دور الانطباع عن الشخصية؛ في فهم قضيتها..

عندها نهض الرجل من مكتبه وهو يحمل الاوراق بين يديه، ليجلس إلى جانب رامز هامساً، كمن يخشى أن تسمع الجدران كلامه:

– أنت تعرفه بلا شك يا رامز، بل لا يوجد أحد في البلاد لا يعرفه، انه السيد كارم…

وقبل أن يتم كلامه؛ هتف رامز بتعجب:

– أتقصد أنه الرجل الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من منصب رئاسة الوزراء!!!

فأومأ تامر برأسه:

– إنه هو…

فهز رامز رأسه بغير تصديق:

– هذا أمر لا يمكنني استيعابه أبداً! أشعر أن هناك شيء غريب!! فخبر اختطاف ابنة رجل كهذا في ظل ظروف كهذه، سيزيد من شعبيته أكثر إن انتشر الخبر، فالناس يتعاطفون مع هذه الحوادث كثيراً..

فقاطعه تامر بقوله:

– للسيد كارم أسبابه الخاصة بلا شك، ثم إنه ليس من النوع الذي يستغل اختطاف ابنته؛ لصالح الانتخابات، لقد باتت هذه الامور مبتذلة جداً، خذ بعين الاعتبار أن طبيعة الناس هنا؛ مختلفة عما اعتدتَ عليه في الخارج..

لكن رامز الذي لم تعجبه تلك الملاحظة الأخيرة، فقد تجاهلها بقوله:

– أو ربما لم تُختَطف ابنته فعلاً!! ربما هربت بمحض إرادتها، وهذا سيسبب له فضيحة بلا شك!

فتنهد تامر:

– رغم إنني لا أحب التفكير بهذه الأمور، إلا أن جميع الاحتمالات واردة، فالعمل عمل، وهذه قضيتك..

ثم تناول بطاقة من جيبه، بدا عليها الختم الرسمي لامعاً بوضوح، قدمها لرامز قائلاً:

– أرجو أن لا تضطر لاستخدامها، فهي للضرورة فقط، بل أقصى درجات الضرورة، فيما إن وجدتَ نفسك في مأزق لا فكاك منه..

تناول رامز البطاقة من تامر، وتأملها بتمعن:

” مفوض من قبل رئيس المباحث والجنايات العامة

السيد/ تامر عماد “

وبعد أن أخفاها في جيب سترته الداخلي، ابتسم بثقة:

– لا أظنني سأحتاجها أبداً، ولكن العمل يتطلب كافة الاحتياطات..

وبسرعة أخرج مفكرة صغيرة من جيبه، فتحها على صفحة محددة، قبل أن يقول بوضوح:

– اختفت الفتاة المدعوة سوسن كارم قبل يومين، وحسب رواية سائقها الخاص (مرزوق)، فإنها طلبت منه أن ينتظرها عند مدخل السوق ريثما تحضر بعد الحاجيات، لكنها تأخرت مما جعله يظن أنها عادت مع خطيبها كالعادة، خاصة وأن هاتفها كان مغلقاً، أما خاطبها أيهم فهو يدّعي بأنها طلبت منه فسخ خطوبتهما فجأة، بعد أن قابلته في أحد المطاعم المعروفة!! وقد قالت مسؤولة المعهد الفني بأن سوسن قد أنهت ارتباطها بالمعهد، وأبرأت ذمتها منه في اليوم نفسه!!

وصمت رامز قبل أن يتساءل:

– هل الترتيب الزمني للأحداث صحيحٌ هكذا؟

فتنهد تامر:

– لستُ واثقاً من هذا.. خاصة وأن السيد كارم لم يستطع أن يحصل على موعدٍ دقيق من السائق؛ عن آخر مرة رآها فيه، وعلى ما يبدو فإن الخوف ألجم لسان السائق، بل شل تفكيره تماما! لا سيما وأنه يدرك مدى تحمله لمسؤولية اختفاء الفتاة!! فعلى ما يبدو أنه آخر من رآها!!

فعلق رامز:

– وللأسف لا يمكننا أن نعد ذلك دليلا ضده! بل ربما يكون التحقيق مع مثل هذه النوعية من البشر تضليلا لا أكثر، دون أن يدرك أغلبهم أنهم يورطون أنفسهم بذلك!!

فأضاف تامر:

– وبالطبع لم يقم السيد كارم بتحقيقٍ دقيقٍ مع خاطب ابنته، أو مع مسؤولة المعهد حتى لا يثير الشكوك، وفضّل أن يعهد بذلك إليّ مباشرة، خاصة وأن جميع الخدم في منزله رأوا سوسن في الصباح، وهي تغادر المنزل مع السائق بشكل طبيعي، ولم يكن هناك أي شيء لافتٌ للنظر..

أما معرفة حقيقية ما حدث تماما.. فهذه هي مهمتك..

ثم ناوله ملفاً مغلقاً ومختوماً بإحكام، قائلاً:

– وستجد في هذا الملف كافة المعلومات الشخصية عن الفتاة، ومن لهم علاقة بها، مع قائمة من المشتبهين بناء على ظن السيد كارم.. ولا داعي لأن أذكّرك بأهميه الحفاظ على سرية المعلومات الواردة فيه..

واستطرد مُنبّهاً:

– حاول أن تبدأ تحقيقك بعيداً عن منزل السيد كارم، فرغم أهمية استجواب كافة الخدم والعاملين هناك، بما فيهم السائق مرزوق؛ إلا أن خصوصية الوضع المتزامن مع فرز الانتخابات، يحتّم علينا تأجيل ذلك للخطوة الأخيرة، وأرجو أن تتمكن من إيجاد الفتاة قبل ذلك.. فالسيد كارم لا يريد أن يُشعر أحدهم؛ بأنه محل شبهة لديه.. خاصة السائق! لقد أكد على ذلك بشدة، ولا شك أن له أسبابه الوجيهة..

فأومأ رامز برأسه متفهماً:

– لا بأس.. رغم أنني كنت أفضل البدء مع السائق! على كل حال، هل هناك شيء آخر تود إخباري به يا سيد تامر قبل أن أذهب؟

فقال تامر وقد لمعت عيناه فجأة:

– ربما لا يُعد ذلك شيئا هاماً على حسب قول السيد كارم، بل يبدو أنه لم يصدق ما سمعه بهذا الشأن.. ولكنني أراها ملاحظة جديرة بالذكر، ومن يدري.. فقد تكون مفتاح اللغز!

فتأهّب رامز لسماع تلك الملاحظة الغريبة، فيما تابع تامر كلامه:

– لقد ارتدت الفتاة الحجاب لأول مرة، في ذلك اليوم!

****

“- أمي… أخبريني الآن.. من هو أبي؟؟

– أما زلتَ تعيد على مسامعي هذا السؤال؟ ما الذي ينقصك يا بني؟ ألم أقم بتوفير كل شيء لكم؟؟ لماذا لا تتصرف مثل البقية؛ وكأنك الشخص الوحيد الذي نشأ في رعاية أمه فقط!!

– أنا أنا ولست أحد البقية، بل إنك تدركين تماماً مدى اختلافي عن أخي وأختي.. وقد وعدتِني بأن تجيبي على سؤالي عندما أبلغ الثامنة عشر من عمري، واليوم هو يوم ميلادي الثامن عشر.. وأريد أن أعرف!!

وأخيراً نطقت الأم باستسلام:

– والدك رجل عربي……. “

وقبل أن يسترسل رامز بذكرياته عن ذلك اليوم، الذي مر عليه أكثر من ثلاث عشرة سنة؛ انتبه لشاحنة كبيرة ظهرت أمامه فجأة، من التقاطع الذي كان على وشك عبوره مسرعاً بسيارته، حتى كاد أن يتسبب في حادثٍ مروّع، لولا لطف الله به؛ إذ تدارك ذلك في اللحظة الأخيرة، وهو يدور بعجلة القيادة بمهارة، بعد أن داس على كوابح السيارة، متفادياً حصول الكارثة، والتي تم اختصارها بارتطامٍ بسيطٍ في حافة الرصيف الجانبي، لذلك الشارع الضيق، بدل أن يصبح عجينة ملتصقة بتلك الشاحنة، القادمة من الشارع المتعامد عليه..

وبعد أن استقر في مقعده، وهو يتصبب عرقاً من هول ما حدث؛ نزل من السيارة ليطمئن على مقدمتها، فيما أسرع أحدهم نحوه هاتفاً:

– الحمد لله على سلامتك.. كان عليك أن تكون أكثر حذراً، وأنت تمر من هذا التقاطع الخطِر، فلطالما شهد كوارث عديدة من هذا النوع..

فابتسم رامز:

– معك الحق.. ولكن أعتقد أن على حكومتكم أن تتصرف إزاء هذه المشكلة، أو تضع لافتات تنبيهية أكثر؛ قبل أن يصبح المكان مزاراً لليائسين من هذه الحياة!!

فردد الشاب بتؤدة:

– حكومتنا!!! هل أنت ضيف على بلادنا أيها الأخ؟ إنني بالفعل أعتذر بالنيابة عن الجميع..

قال كلمته الاخيرة بنبرة مرحبة، قبل أن يتابع بابتسامة ذات معنى:

– وإن كنتُ أعتقد بأنك تتحمل جزءا من المسؤولية أيضاً، فقد كنتَ سارحاً بلا شك، حتى أنني اضطررتُ لاستخدام زامور سيارتي لتنبيهك!!

ففتح رامز عينيه على اتساعهما بدهشة:

– حقا!! لقد ظننتُ أنني انتبهتُ لمرور الشاحنة من تلقاء نفسي!!

فابتسم الشاب:

– أرأيت!! لقد كنتُ أقود سيارتي خلفك ولم تنتبه إليّ! يبدو أنك لم تكن سارحاً وحسب؛ بل غارقاً في أحلام اليقظة أيضاً!! من لطف الله بك أن نجّاك من حادث مؤكد، وعليك أن تكون أكثر حذراً في المرات القادمة..

فهز رامز رأسه كالمعترف بغلطته:

– معك الحق في هذا..

لم يكد يتم جملته؛ حتى فوجيء بالشاب يتفحص ذراعه اليسرى، قائلاً:

– أظنك ارتطمتَ بزجاج نافذتك بشدة، ومن المستحسن أن نطمئن على حالتك..

فتساءل رامز، وهو يُبدي استسلاماً عجيبا لإرادة ذلك الشاب:

– هل أنت طبيب؟؟

فاومأ الشاب برأسه:

– أجل.. كان يفترض أن أعرّفك بنفسي في البداية… أدعى مهند.. وأعمل في مستشفى المدينة المركزي، ومن حسن تقدير الله أنني عائدٌ للتو لعملي، بعد أن أوصلتُ جدتي للمنزل؛ وإلا لما قابلتني في مثل هذا الوقت من الصباح هنا..

قال مهند جملته الاخيرة، وهو يضع ذراع رامز من يده مُطَمئنا:

– الحمد لله.. لا شيء يدعو للقلق يا سيد..

فمد رامز يده لمصافحة يد الشاب الممتدة نحوه، مكتفياً بذكر اسمه:

– رامز.. شكرا جزيلاً لك، تشرفتُ بمعرفتك..

فابتسم مهند وهو يشد على يده:

– وأنا كذلك.. وأرجو أن تقضي أوقاتاً جميلة في بلادنا..

غير أن رامز استدرك فجأة:

– لقد سرني التعرف إليك أيها الطبيب المحترم، فهل تمانع في إعطائي رقم هاتفك، فقد تساعدني أكثر في التعرف على طبيعة المجتمع هنا، إذا ما احتجتُ لذلك..

ورغم مفاجأته لمهند بهذا الطلب، إلا أن الأخير رد برحابة صدر:

– لا مانع لدي بالطبع، وإن رغبتَ فسأكون متفرغاً بعد صلاة المغرب، لهذا اليوم إن شاء الله، فأهلا وسهلا بك في منزلي..

فتهلل وجه رامز بالبشر، وهو يتناول بطاقة التعريف الخاصة بمهند، والتي طُبع عليها رقم هاتفه، قائلا:

– ربما في وقت آخر، فاليوم لدي مشاغل كثيرة.. وشكرا للدعوة..

*******
يتبع إن شاء الله…
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

عالم مسن – الفصل الثاني


عن السلسلة

يجد يعقوب نفسه امام مسؤولية رعاية رضيع سرا في عالم لا يوجد به سوى الكهول والمسنين، ماذا سيحدث لو علم الناس بذلك؟ وهل سينجح يعقوب في ابقاء الامر سرا؟ وكيف سيعتني بالرضيع في ظروف عالمه الصعبة؟…

تأليف: محمد نجيب
تدقيق: زينب جلال
رسم: أكيرا عبد الرحمن
تلوين واخراج: شو

التصنيف: خيال علمي، شريحة من الحياة، درامي، غموض.


قد يهمّك: عالم مسن (ون شوت)