Please or التسجيل to create posts and topics.

قصة قصيرة. فعالية بالقرآن نحيا

مشاركتي بقصة قصيرة ضمن فعالية بالقرآن نحيا

قصة راشد في جبل الضباب تأليف وليد امعوش 

#بالقرآن_نحيا

 

في صباح يوم ماطر من أيام الشتاء، كان راشد شاباً في مقتبل العمر يتسلق جبل "الضباب" كما كان يفعل كل أربعاء. جبل عالٍ يطل على قريته الصغيرة التي تعيش في ظله منذ سنين عدة.

 

اعتاد راشد تسلق هذا الجبل؛ يحفظ تفاصيل صخوره وأشجاره، لكنه كان يأتي إليه ليس لمتعة التسلق، بل ليخلو إلى نفسه في قمته ويتأمل خلق الله.

 

وصل راشد إلى قمة الجبل وجلس على صخرة ملساء اعتاد الجلوس عليها، وضع يده تحت ذقنه كمن يتأمل لوحة كونية. رفع عينيه إلى السماء الزرقاء، ثم نظر إلى القرية الصغيرة أدناه. قال في نفسه: "كل هذه الحيوات، كل هذه البيوت، وكلها ستفنى يوماً. فما المغزى؟ لو كان هناك خالق حكيم، ألم يكن أجدر به أن يخلق عالمًا بلا ألم؟"

 

بينما كان راشد غارقًا في تأملاته، لاحظ شيئًا غريبًا: سحابة بيضاء تتسلق الجبل بسرعة غير طبيعية. في دقائق، غطى الضباب القمة بالكامل. لم يعد يرى شيئًا على بعد خطوة منه. أخذ عوداً من الخشب كان قربه، حاول أن يبعد به كثافة الضباب ليتذكر اتجاه الطريق الذي جاء منه، لكن الضباب كان يحجب عنه كل شيء. بدأ الخوف يظهر عليه.

 

تاه راشد في الضباب لساعات، حتى كاد اليأس يتملك منه. وفجأة، بدأ يسمع صوتًا كان قد لاحظ وجوده منذ جلوسه على الصخرة. لربما كان صوت خرير ماء خافتًا. تبع أثر الصوت ببطء، حتى وصل إلى شلال صغير لم يكن يعرف بوجوده من قبل. لكن ما أذهله ليس الشلال نفسه، بل وجود كهف داخل الشلال. شعر بالدهشة من ذلك، وتوتر: هل يدخل الكهف أم لا؟

 

تردد راشد للحظات على فوهة الكهف، وقلبه يخفق بين رغبته في الهروب من الضباب وفضوله الذي لا يقهر. ثم دفع بقدميه إلى الداخل، وبدأ يستكشف الكهف شبرًا شبرًا، يتحسس جدرانه الباردة الرطبة.

 

كان الكهف مظلمًا في البداية، لا يرى فيه شيئًا. لكن كلما تعمق أكثر، بدأ ضوء خافت ينبثق من مكان لا يعرفه. وعندما التفت حول زاوية صخرية، توقف فجأة.

 

هناك، في ركن الكهف البعيد، جلس ثلاثة أشخاص. كانت أعناقهم وأرجلهم مقيدة بسلاسل حجرية قديمة، وجوههم شاحبة كأنها لم ترَ الشمس قط، وأعينهم مثبتة على جدار الكهف المقابل. لم يلتفتوا إلى راشد حين دخل، بل ظلوا ينظرون إلى الظلال المرتسمة على الجدار.

 

اقترب راشد منهم بخطوات حذرة. كان خلف الأسرى نار مشتعلة تتوهج، وبين النار والأسرى طريق مرتفع خلفه جدار منخفض، يشبه حاجزًا يقوم خلفه محركو دمى في مسرح عرائس. فوق ذلك الجدار، كانت تتحرك أشكال مختلفة: تماثيل حيوانات، أشباح بشر، أدوات متنوعة، تُلقي بظلالها على جدار الكهف أمام الأسرى. وكان من وراء الجدار أصوات تتردد، تختلط مع أصداء الكهف، فيظن الأسرى أن هذه الأصوات تصدر من الظلال نفسها.

 

رفع أحد الأسرى الشبان رأسه قليلاً حين سمع وقع أقدام راشد، وقال بصوت أجش لم يعتد الكلام:

 

· من أنت؟ وكيف دخلت إلينا؟

 

اقترب راشد وجلس قريبًا منهم، وقال:

 

· أنا راشد. ضللت طريقي في الضباب فوجدت هذا الكهف. ومن أنتم؟ ولماذا أنتم مقيدون هكذا؟

 

نظر الأسير الأكبر إلى راشد بعينين ذابلتين، ثم قال:

 

· نحن هنا منذ ولدنا. هذا الكهف هو عالمنا، وهذه الظلال هي كل ما نعرف. نراها فتخبرنا بما يحدث في الوجود. نحن نسميها، ونتنافس في فهمها، ونكرم من كان أفهمنا لها. هذا هو الحق، وما سواه وهم.

 

تأمل راشد كلماته، ثم نظر إلى الجدار الذي أمامهم حيث كانت الظلال ترقص على إيقاع النار. شعر فجأة أن هؤلاء الأسرى ليسوا غرباء عنه. أليس هو نفسه كان أسيرًا في كهف الشك، لا يرى من الكون إلا ظواهره السطحية، ويظن أن ما يراه بعقله الجاف هو الحقيقة كلها؟

 

قال راشد بصوت خافت:

 

· أرأيتم هذه الظلال التي ترونها؟ إنها ليست الحقيقة. إنها مجرد ظلال لأشياء خارج هذا الكهف. هناك شمس تشرق، وهناك نجوم تضيء، وهناك عالم أوسع مما تتخيلون.

 

نظر أحد الأسرى إليه باستغراب، ثم ضحك ضحكة ساخرة:

 

· وكيف تعرف هذا؟ هل رأيته؟

 

قال راشد:

 

· نعم. كنت مثلكم يومًا. كنت أظن أن العقل وحده كافٍ لرؤية الحقيقة، وأن ما أراه هو كل شيء. لكنني رأيت اليوم ما وراء الظلال.

 

هز الأسير الأكبر رأسه بحسرة:

 

· لا تظن أنك تستطيع أن تخدعنا. هذه الظلال هي الحقيقة. إن كنتَ ترى غيرها، فأنت واهم.

 

ثم نظر إلى رفيقيه وقال:

 

· هذا الرجل فقد بصيرته. لقد خرج من كهفه فرأى ما أفقده عقله.

 

تذكر راشد عندها ما قاله الفيلسوف اليوناني عن الذين يعودون إلى الكهف بعد أن رأوا النور: إن رفيقيهم الذين بقوا في الظل سيقولون عنهم إنهم خرجوا ففسدت أبصارهم، وإن من يحاول تحريرهم لا بد أن يُقتل إن وقع في أيديهم. لكنه لم ييأس.

 

نهض راشد واقفًا، ثم قال:

 

· اسمحوا لي أن أسألكم: هذه الظلال التي ترونها، أتظنون أنها تأتي من ذاتها؟

 

سكت الأسرى. فأكمل:

 

· خلفكم نار تشتعل، وخلف النار أصحاب يحملون تماثيل وأشكالاً يمررونها أمام النار فتُلقي بظلالها على جداركم. فإذا كانت الظلال هي الحقيقة، فمن خلق النار؟ ومن خلق التماثيل؟ ومن خلق من خلقهم؟

 

نظر الأسير الشاب إلى الجدار خلفه محاولاً أن يرى، لكن السلاسل منعته من الالتفات.

 

قال راشد:

 

· أنتم لا تستطيعون أن تلتفتوا إلى خلفكم. لكنكم تستطيعون أن تفكروا. تأملوا: هذه الظلال تتغير، تختفي وتعود، تختلف باختلاف ما يمر أمام النار. فهل ما يتغير ويكون تابعًا لغيره يمكن أن يكون هو الحق المطلق؟

 

ثم رفع يده إلى أعلى الكهف حيث كان ضوء خافت يتسلل من فتحة صغيرة:

 

· انظروا إلى هذه الفتحة. إنها تؤدي إلى خارج الكهف. إلى شمس لم تروها قط، وإلى سماء لا تعرفونها، وإلى خالق لهذا الكون كله.

 

صمت الأسرى. ثم قال الأكبر:

 

· وكيف نعرف أن ما تقوله حق؟

 

هنا، وقف راشد يتأمل في قلبه ثم قال:

 

· سأخبركم بما قاله خالق السموات والأرض. اسمعوا:

 

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190].

 

هذه الآية يا إخوتي تخبرنا أن في كل ما نراه آيات لمن يستعمل عقله وقلبه معًا. أنتم ترون الظلال فقط، ولكن خلف الظلال أشياء، وخلف الأشياء خالق عظيم. أولو الألباب هم الذين لا يقفون عند الظاهر، بل يتأملون في الحقيقة وراءه.

 

ثم تلا آية أخرى:

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].

 

قال راشد:

 

· الله يعدنا أنه سيرينا آياته في الآفاق أي في هذا الكون الواسع، وفي أنفسنا أي داخل ذواتنا. أنتم ترون الظلال على الجدار، ولكن ألم تنظروا إلى أنفسكم؟ من خلقكم؟ ومن قيدكم هنا؟ ومن جعل لكم عقولاً تتفكر؟

 

ثم رفع رأسه إلى فتحة الكهف وقال:

 

· وتأملوا هذه الآية: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} [ق: 6].

 

هذه السماء التي لا ترونها خلف هذا السقف الصخري، هي مخلوقة بإتقان، لا شقوق فيها ولا صدوع. أفلا تستحق أن تنظروا إليها مرة واحدة على الأقل في حياتكم؟

 

صمت الأسرى. كانت كلمات راشد تخترق ظلام الكهف كالنور. ثم قال أحدهم بصوت مرتجف:

 

· كيف نخرج من هنا؟ كيف نرى هذه الشمس التي تتحدث عنها؟

 

ابتسم راشد وقال:

 

· الخروج يحتاج إلى أمرين: أن تريدوا أن تنظروا خلفكم، وأن تتحملوا الألم الذي سيصيب أعينكم حين تتركون الظل إلى النور. قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

 

ثم نهض ومد يده إليهم:

 

· هل تريدون أن أطلق سلاسلكم؟

 

نظروا إلى بعضهم البعض. كان الخوف يملأ أعينهم، لكن بصيص أمل كان قد بدأ يتوهج. بعد صمت طويل، أومأ أحدهم برأسه.

 

وبينما هم كذلك، نهض راشد وأخذ يفك السلاسل واحداً واحداً. كانت أيديهم ترتجف، وأعينهم تتألم من وهج النور الذي ينساب من بوابة الكهف، ذلك النور الذي لم يعتادوه يومًا.

 

لما انتهى من فك القيود عن آخرهم، وقف راشد ينظر إليهم، فشعر فجأة أن مسؤولية كانت على عاتقه قد حلت. لم يعد مجرد شاب تائه في الضباب، بل أصبح دليلاً يخرج بهؤلاء من ظلمات الكهف إلى النور.

 

أخذ بيد كل واحد منهم يقودهم ببطء نحو بوابة الكهف. خطواتهم كانت ثقيلة مترددة، وأعينهم تضيق كلما اقتربوا أكثر من الضوء. فلما عبروا العتبة ولامست أشعة الشمس وجوههم لأول مرة، ارتجفت أجسادهم رعشة الخوف والدهشة معًا. لكن الارتجاف لم يدم طويلاً.

 

بعد لحظات، بدأت جوارحهم تهدأ، وأحسوا بدفء غريب يسري في عروقهم. فنظروا إلى السماء الزرقاء التي لم يروها قط، وإلى الأشجار الخضراء التي لم يتخيلوا وجودها، وإلى الشمس التي كانت بالنسبة لهم مجرد ظل على جدار.

 

هنا، لم يتمالكوا أنفسهم. هبطوا ساجدين على الأرض الباردة، باكين شاكرين لله تعالى أن أخرجهم من الظلمات إلى النور. كان راشد يقف خلفهم، والدموع تترقرق في عينيه، وهو يرى بأم عينيه معنى قول الله تعالى:

 

{أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122]

 

بعد أن سجدوا وشكروا، وقفوا ينظرون إلى راشد بعيون مختلفة. لم تكن عيون أسرى بعد الآن، بل عيون متعطشة لمعرفة المزيد.

 

قال أحدهم بصوت يقطر شوقًا:

 

· أرشدنا يا راشد. دلنا على الطريق.

 

وبدؤوا المسير معه، يحاول إرشادهم في الغابة للعودة إلى قريته. كانوا كلما رأوا شجرة، أو سمعوا صوت طائر، أو لمسوا ماء النهر، يتوقفون متأملين، وكأنهم يرون هذه الأشياء لأول مرة في الوجود.

 

وبينما هم يسيرون في الغابة، كان راشد يتلو عليهم آيات الله، ويضرب لهم الأمثال من الواقع ليزدادوا يقينًا.

 

مرّوا على نخلة عالية، فأشار إليها راشد وقال:

 

· انظروا إلى هذه النخلة. أتظنون أنها نبتت بغير فاعل؟ أترونها خلقت نفسها بنفسها؟

 

توقفوا ينظرون إلى جذعها المتين، وسعفها المتراص، وثمرها المتدلي.

 

ثم تلا راشد:

{أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17-20].

 

قال راشد:

 

· انظروا إلى هذه النخلة: لها جذور تمتد في الأرض، وجذع يحملها، وسعف يتجه نحو السماء، وثمر يأتي في وقته. أفيكون هذا كله عبثًا؟ أم أن هناك خالقًا حكيمًا قدرها وأتقنها؟

 

نظر أحد الأسرى إلى النخلة طويلاً، ثم قال بصوت مرتجف:

 

· نحن كنا نرى ظل هذه النخلة على جدار الكهف، كنا نظن أن الظل هو الحقيقة. أما اليوم... فقد رأينا النخلة نفسها.

 

ابتسم راشد.

 

ثم واصلوا المسير. وصلوا إلى نهر صغير يجري بين الصخور. جثا أحدهم على ركبتيه، غرف من الماء بيديه، ثم جعل يتأمل كيف ينساب بين أصابعه.

 

قال راشد:

 

· هذا الماء يا إخوتي، قال الله فيه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30].

· أنتم في كهفكم كنتم ترون ظل الماء على الجدار، وكنتم تظنون أن ذلك هو الماء. أما اليوم، فترون الماء الحقيقي، وتشعرون ببرودته، وترون كيف يحيي الأرض.

 

ساروا ساعات، وكلما مروا بشيء، تلا راشد آية وضرب مثلاً من الواقع. حتى وصلوا إلى تخوم القرية.

 

كان أهل القرية قد تجمعوا منذ الصباح يبحثون عنه، فقد ذهب منذ الفجر ولم يعد. فلما رأوه مقبلاً من بعيد، ركضوا نحوه كمن يستقبل شخصاً غاب لمدة طويلة، مع أنه غاب لساعات فقط. لكنهم شعوا أن شيئاً قد تغير فيه.

 

كانت نظرته مختلفة، ومشيته واثقة، ووجهه يضيء بنور لم يروه من قبل. نظرت إليه أمه طويلاً ثم قالت:

 

· أين كنت يا بني؟ لقد بحثنا عنك في كل مكان.

 

ابتسم راشد، ثم نظر إلى الثلاثة الذين خلفه وقال:

 

· كنت في رحلة لم تطل ساعات، لكنها غيرت عمري كله.

 

ثم أشار إلى الأسرى الثلاثة الذين أخرجهم من الكهف، وقال:

 

· هؤلاء كانوا أسرى الظلام مثلي، فمنّ الله علينا بالنور.

 

أخذ الأهل يحيون الثلاثة بترحاب، على الرغم من غرابة أمرهم. ثم اجتمع الجميع في ساحة القرية، وجلس راشد يحكي لهم ما رأى وما تلا من آيات.

 

قال وهو ينظر إليهم:

 

· قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82].

· لقد كنت في كهف الشك، أرى الظلال وأظنها حقائق. كنت أرى الكون آلة صماء، والسماء سقفاً بلا معنى. لكن الله شفاني بالقرآن، وجعلني من أولي الألباب الذين يتفكرون في خلقه.

 

استقر الثلاثة في القرية أياماً، يتعلمون من راشد آيات الله ويتأملون في خلقه. كانوا كل صباح يصعدون إلى الجبل ينظرون إلى الشمس وهي تشرق، ويتذكرون ظلام الكهف الذي كانوا فيه. قال أحدهم يوماً لراشد:

 

· كنا في الكهف نرى الظلال ونظنها كل شيء، واليوم نرى الحقائق بأعيننا. لو لم تخرجنا يا راشد، لكنا متنا في ظلامنا.

 

ابتسم راشد وقال:

 

· ما أنا إلا سبب. الذي أخرجكم هو الله الذي قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].

 

ومضت الأيام، وصار راشد يُعرف بين قومه بالحكمة والرزانة. كان شباب القرية يأتون إليه يسألونه عن سر تحوله. كان يبتسم ويقول:

 

· كنت أظن أن العقل وحده كافٍ لرؤية الحقيقة، حتى رأيت بعين قلبي ما لا تراه العين المجردة.

 

  1. وكان يردد دائماً: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.

 

وأما الضباب الذي نزل ذلك اليوم على الجبل، فبقي لغزاً يحير أهل القرية. كان راشد كلما سُئل عنه يبتسم ويقول:

 

· لعل له قصة أخرى... في يوم آخر.

 

-