Please or التسجيل to create posts and topics.

الهشاشة النفسية ودور التربية!

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الهشاشة النفسية ودور التربية!
كانت جدتي رحمها الله تقول بما معناه:
لا تعوّدوا الاطفال على حياة الرخاء وتوفير الرغبات، لأن الحياة لا تستمر على وتيرة واحدة، فلا تكونوا سببا في صدمتهم إذا اختلفت الدنيا عليهم!
 
جملة مشابهة سمعتها ذات مرة من سيدة افريقية كبيرة في السن كانت تعمل في جمع العلب البلاستيكية:
هكذا هي الحياة.. يوم بصل ويوم عسل.. نشكر ونصبر.. فلا شيء يدوم على حال واحدة..
 
 
وقبل سنوات ذكرت لي إحدى الصديقات عن موقف حصل مع أحد اولادها الصغار بعد عوتهم من المدرسة، حيث تفاجأت من ردة فعل الصغيرة/ الصغير وانهياره وبكائه لأن هناك من لم يحدثه باحترام في المدرسة كما تعودوا بالمنزل، واسمعه كلمة مزعجة غير محترمة!
هنا قالت لي صديقتي انها لم تغضب لأجل وجود من اساء لاولادها بقدر ما غضبت لكونهم وصلوا لهذه المرحلة من الهشاشة النفسية التي جعلتهم ينهارون من سماع كلمة غير محترمة! وقالت لي جملة سمعتها من أحد اقربائها الكبار "كثرة الادب قلة ادب" وكأن المقصود بذلك أنه ربما من شدة تعويد الاولاد على الأدب والاحترام قد تجعلهم يتصرفون بطريقة تخالف الأدب لو تعرضوا لموقف خارجي غير معتادين عليه!  وبالطبع  ليس المقصود أن لا نربي الاطفال على الادب والاحترام؛ بل أن نعلمهم أن هناك مواقف في الحياة عليهم ان يتوقعوا فيها أنهم سيواجهون اشخاص لن يتعاملوا معهم فيها بالأدب والاحترام الذي اعتادوا عليه حتى يحسنوا التصرف ولا ينهاروا او ينصدموا فيخرجوا عن طورهم، بل يتعاملوا مع ذلك بالطريقة الصحيحة المناسبة دون افراط او تفريط وخير الأمور الوسط!
في هذا السياق استحضر  المحقق بوارو من روايات اجاثا كريستي وهو يعلق على صديقه هيستنغز الذي يتبع اصول الادب بالحذافير كيف انه بأدبه ذاك قد يساعد المجرم على ارتكاب جريمة دون قصد!
 
ونحن إذ بدأنا نسمع مؤخرا بعض الحوادث المؤسفة حول اشخاص في سن الشباب ومنهم اطفال اقدموا على انهاء حياتهم لأنهم لم يحتملوا الاساءة من الاخرين او تعرضوا لمواقف صعبة فهذا يجعلنا نقف وقفة جادة مع هذا الأمر!
 
المشكلة الاساسية من وجهة نظري والله أعلم هو انتشار مفاهيم اصبحت تبدو للشباب (واطفال هذا الجيل اجمالا) وكأنها حقائق أو مستحقات طبيعية لهم فإذا لم تتحقق شعروا أنها آخر الدنيا وأنه لا يمكنهم التحمل اكثر!!!
ولو فكرنا بالامر فسنجد أن هذا كله بسبب الهشاشة النفسية التي تم تعويدهم عليها، مثل شخص لم يقم بتدريب عضلاته ولا اعتاد حتى رفع كوب ماء فسنجد أن عضلاته ستضمر تدريجيا حتى يصبح غير قادر على التحمل، ومن يمارسون الرياضة بلا شك يعرفون هذا جيدا من واقع التمرين، لذلك يتم تدريب الشباب على زيادة رفع الاثقال تدريجيا وليس العكس!!
وللأسف اصبحنا نرى انتشارا واسعا لأفكار كونت منظومة مجتمعية تسعى لتخفيف الأحمال عن الجيل بدل ان تساعدهم على تحمل زيادة الاثقال!! بل  بدأنا نسمع بمطالبات لتسهيل كل شيء عليهم- وكأن الدنيا تسير وفق رغباتنا- لدرجة الرغبة بازالة التحديات من امامهم!
ماذا تتوقعون من جيل ينشأ على خطابات من هذا النوع:
لا داعي لأن تسمع كلام والديك ما دام هذا يخالف رغباتك.. لا داعي لأن تضغط على نفسك .. لا داعي لأن تواجه كذا.. 
وبالمقابل يضعون في عقله:
يجب ان تحصل على ما تريده...
والداك يجب ان يتفهموك ويحتووك ولا يضغطوا عليك
من حقك أن تفعل كذا..
المفروض أن يتم تحقيق كل شيء لك.. 
لا احد يجب ان يتنمر عليك إذا فعلت كذا.. الخ
وتدريجيا وصل الشباب- وحتى الاطفال- لمرحلة أن اي شيء لا يسير وفق تخيلاتهم الموهومة من الافكار المنتشرة المزعومة فسيكسرهم لانهم لم يعتادوا على رفع مستوى التحمل لديهم، وهذا يفسر ما يجري من عدم القدرة على تحمل ضغوط الحياة او المواجهة او الصبر والله أعلم!!

بالطبع هناك حالات مرضية تؤدي للانتحار لا يكون فيها الشخص عاقلا فلا حساب عليه من الاساس، مثل حالات الجنون ونسال الله السلامة والعافية وهذه أكيد لا احد يلوم المريض فيها لأنه اصلا غير محاسب، ومرفوع عنه القلم، ولكن أتحدث عن الحالات التي تكون باختيار الانسان وبارادته لانه لم يعد يقوى على التحمل..! بالطبع سنجد هناك من ينادون لازالة الضغوط عن الشباب وعن الجيل اجمالا ويهاجمون من كان السبب- حتى لو كان الوالدين- لكن هذا ليس حلا عمليا لأن ضغوط الحياة لا تنتهي اصلا بل تزداد، والله اوضح لنا في القرآن أن هذه الدنيا ليست دار راحة بل دار اختبار وابتلاء!!! الحل هو أن نساعد الجيل على زيادة قدرتهم على التحمل، بالضبط مثلما يكون التدريب في الجيم على حمل الاثقال، وهذا ما نسعى له لأجل انشاء جيل مؤمن قوي قادر على التحمل والصبر والله يعيننا على ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله..

 وعلى ذكر ذلك.. نلاحظ كيف الوضع في غزة، فمع كل الاهوال نرى وكأن الله يرسل لهم ما يعودهم على زيادة التحمل- وذلك بعد سنوات طويلة من تربية المساجد الايمانية- مما يجعلهم الاكثر قوة وصبرا وتحملا من غيرهم ما شاء الله لا قوة إلا بالله خاصة مع قوة الايمان، وهذا يذكرني بالحديث كيف ان الله يزيد البلاء على المؤمن بحسب قوة ايمانه فإذا وجد منه خفة في الدين خفف عليه، وكأنه يشبه بالضبط طريقة التعامل مع الشباب في التدريب!
كلما زادت قوته زدنا له بالاثقال، اليس كذلك؟ 
وهنا نص الحديث:
 (سُئِلَ رسولُ اللهِ أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً قال الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الناسُ على قدرِ دِينِهم فمن ثَخنَ دِينُه اشتدَّ بلاؤه ومن ضعُف دِينُه ضعُفَ بلاؤه وإنَّ الرجلَ لَيصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ)
وإذا عرفنا من ايات الله البينات انه سبحانه وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها؛ فهنا ندرك يقينا أن اي ابتلاء او تكليف يقع على العبد فهو ضمن وسعه ولكن عليه ان يحسن اكتشاف ذلك وتوظيفه كمن يكتشف قدراته الكامنة فيفعّلها فيصبّر نفسه حتى يصبر ويحرص على أن يحيط نفسه بمن يساعده على ذلك كما امرنا الله (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...)
وهذا ما يجب أن نحرص عليه جميعا وهو الدور الذي يقع على عاتق المربين والمرشدين والاباء لأجل إعداد هذا الجيل على قوة التحمل..
وبالطبع ليس وكأننا سنلوم الضحية الضعيف ونترك المعتدي القوي الظالم، لكن ما اقصده أننا يجب أن ننشئ جيلا قويا لا يتاثر بكلام الاخرين، لأن الله يريد من المؤمن ان يكون قويا ليواجه الصعاب فيتحمل ويمضي قدما، وإلا لما خلق الشياطين من الاساس! لذلك ليس منطقي ان نطلب من الاشرار أن لا يكونوا اشرارا لاجل راحة الطيبين، لأن الشرير هو اصلا شرير ويريد الايذاء، بل يفترض بنا أن نساعد الطيبين لكي يكونوا اقوياء واذكياء ولا يجعلوا الاشرار يخدعونهم أو يؤثروا بهم!
يتوجب علينا التوعية لكل الفئات بما يناسبها، وكما نهتم بالتحذير من ولوج الشر ومحاسبة الاشرار، ايضا يجب توعية الطيبين وتقويتهم!!! 

وقد نشرت في موضوع سابق تفصيلا حول ذلك تحت عنوان:

 
 
ولا أفضل من تنشئة الجيل على سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكيف كان احتماله للأذى والصبر عليه، فلم ينهار أو ينكسر رغم كل ما واجهه من صعوبات وعقبات واذية، بل استمر في دعوته ماضيا قدما للأمام بكل عزيمة وايمان..
ومن هنا نستحضر الوصية النبوية العظيمة:
 
 
 
عند تربية الأطفال بحكمة على تلك الوصية العظيمة فبلا شك سينشؤون اقوياء ثابتين لا يهزهم شيء واثقين بأن كل شيء بيد الله فلا يؤثر بهم كيد مخلوق ولا يكسرهم سطوته، بل يعلقون قلوبهم بالله وحده لا شريك له وهذا منتهى الايمان الذي يكسبهم القوة بعون الله..
 
وختاما.. هنا همسة في اذن الاباء والمربين والمرشدين ومن يهمهم أمر هذا الجيل:
التربية ما هي الا اجتهاد نبذل فيه جهدنا سائلين الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا فيها لأفضل الطريق والسبل بالحكمة والموعظة الحسنة حتى نصل لتربية حكيمة تراعي الفروقات الفردية والاحوال المختلفة، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى وما علينا سوى الأخذ بالاسباب وبذل الجهد لابراء الذمة والله خيرا حافظا وهو ارحم الراحمين..
 
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ اطفال المسلمين وينبتهم نباتا حسنا وينشئهم تنشئة حسنة ويجعلهم قرة أعين لوالديهم ولامتنا الاسلامية حتى يكونوا سببا في صلاح امتنا والعالم أجمع لما فيه خير الدنيا والآخرة بإذن الله..
 
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ )
 
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وليد امعوش has reacted to this post.
وليد امعوش