بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

يسرّ نبراس المانجاكا أن تقدّم لقاء رئيسة التحرير الأستاذة زينب مع الدكتورة خولة حمدي، وينقسم هذا المقال إلى قسمين أوّلها رحلة تعارف رئيسة التحرير بالأستاذة خولة والتي تقود للقسم الثاني وهو المقابلة.

رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة

هذه أول جملة خطرت ببالي عند كتابة تقديم هذا اللقاء، ولذلك قصة لا بد من ذكرها، فبها رمزية لطيفة، وعبرة هي أكثر ما نحن بحاجته مع مضينا قدما في هذا المشروع، الذي نأمل أن يكون بحق: نبراس المانجاكا.

وهنا أذكر تعليقا للدكتورة خولة، عندما عرضت عليها المقابلة أول مرة، فابتسمت قائلة:

ولكنني لا أرى أي علاقة بين رواياتي والمانجا!

فأجبتها:

ستعرفين الرابط العجيب قريبا إن شاء الله!

وانطلاقا من هذا الرابط العجيب، يسعدني أن اصطحبكم في رحلة عبر الزمن، نعود فيها لعام 2007، أي قبل خمسة عشر عاما تقريبا!

في ذلك الوقت كانت رواية “مدرسة الفروسية” تأخذ غفوة قصيرة بين المسودات المكدسة منذ عشر سنوات، فيما كنتُ -كاتبتها- مهتمة بشكل أكبر بالبحث عمن يشاركني حلم “رسوم متحركة اسلامية”، خاصة بعد دخولي عالم الشبكة العنكبوتية، والتي كانت أشبه بحصولي على مكنسة الساحرة الخيالية!

كنت سعيدة باكتشاف منتدى تحدث أحد اعضائه عن صناعة كرتون اسلامي، فما كان مني إلا أن سجلت فيه لعلي اتواصل معهم؛ ليكون أول دخولي عالم المنتديات ومن اللافت للنظر أن اسم ذلك المنتدى كان “نبراس”!

ومن الجدير بالذكر أن اختيارنا لاسم “نبراس المانجاكا” لا علاقة له بذلك المنتدى، ولم يكن مقصودا، بل إن من اقترح الاسم أول مرة لم يكن يعرف عن ذلك المنتدى أصلا، والذي اختفى ولم يعد له أثر، ولكنها إرادة الله وحكمته، فلا شيء يحدث صدفة، وكل شيء بقدر، وكأننا أمام قصة عظيمة، أحكمت حبكتها بدقة شديدة، نحن أبطالها وسبحان من أبدع صنعتها!

وبعد دخولي منتدى نبراس، تعرفت إلى منتديات أخرى كان أبرزها منتدى “عمرو خالد”، والذي وجدت فيه ضالتي المنشودة في ذلك الوقت، فدخلته باسم أمة العليم الكريم، ورغم اهتمامي بالانضمام لمجموعة فرعية اطلقت على انفسها اسم “حلمنا” لصناعة الرسوم المتحركة؛ لكنني كنت أفضل أن اراقب وأتابع بصمت، فلا أعلق إلا نادرا جدا، وبحدود ضيقة، حتى عثرت على زاوية في المنتدى الرئيس أثارت اهتمامي بشدة، تحمل اسم “مستشارك الأدبي”!

من باب الفضول، ولمعرفة مدى الفائدة التي قد يتم الحصول عليها من هذه الزاوية، ارسلت إحدى قصائدي (التي ادرجتها لاحقا ضمن رواية مدرسة الفروسية، وهي بعنوان “شمس”)، لأطلب نقدا لها، وبالطبع تلك الزاوية خاصة لا يطلع عليها أحد سوى العضو والمستشار فقط!

ولحسن الحظ بل ومن جميل تقدير الله؛ أن المستشار الأدبي الذي أجابني في ذلك الوقت كانت أختا تطلق على نفسها اسم “مرام الحياة”، وكانت تدرج في توقيعها رابطا تدعو فيه لزيارة روايتها “أين المفر”، وبالطبع من باب الفضول ولمعرفة قدرات هذه المستشارة الأدبية، وجدت نفسي القي نظرة على روايتها!!

وهنا لا أملك إلا أن أتأمل في عظيم تقدير الله، وفي روعة هذا النسيج المحكم المتماسك من حولنا، فربما لولا ذلك القدر الذي جمعنا في ذلك الوقت؛ لما كنت مهتمة اطلاقا بالاطلاع على رواية عبر الانترنت، ولا التعرف إلى عضوة اسمها “مرام الحياة”!!!

قد لا أذكر عدد الأجزاء التي كانت قد نشرتها مرام الحياة من رواية “اين المفر” وقتها، ولكنني أذكر تماما أنني انبهرت بشدة لعثوري أخيرا على رواية عربية بمواصفات أجنبية! وإنني إذ أذكر هذا، فلا يعني أنني انتقص من قدرة العرب في الكتابة؛ ولكنني وبعد تجارب مريرة في انتقاء الروايات العربية؛ وجدت فجوة كبيرة بينها وبين الروايات العالمية التي كانت تثير اهتمامي بشدة! قد استثني من ذلك رواية “واسلاماه” وبضع روايات أخرى لا تكاد تتجاوز اصابع اليدين! (وهنا بالطبع أتحدث عن نفسي وعما وقع بين يدي في ذلك الوقت.)

ورغم مرور كل تلك السنوات، لازلت أذكر كيف خرجت عن صمتي وقتها، وأفرغت ما بقلبي من شكر وثناء على تلك الرواية، لأتفاجأ بعدها بدعوة من “مرام الحياة” لزيارة نسخة أخرى من الرواية منشورة في قسم “الروضة الابداعية” الخاصة بالأخوات، حيث يحتدم فيها النقاش بين المتابعات وبين المؤلفة، وكأن الجميع في معركة حاسمة لصناعة الأحداث، وهناك ترجلت أخيرا عن مطيتي، فأرخيت اللجام وأمطت اللثام، لأشارك بقوة وحماسة في ذلك الركب، وكم كانت سعادتي كبيرة عندما وضعت المؤلفة نهاية القصة بالطريقة التي كنت أرجوها تماما، رغم خيبات أمل الغالبية، الذين كانوا يتوقون لنهاية أكثر رومانسية! (ضحكة مكتومة ههه.)

غير أن تلك لم تكن النهاية، إذ سرعان ما اعلنت لنا مرام الحياة عن بدايتها العمل على رواية جديدة أطلقت عليها “رحلة الألف ميل”، وبالطبع انتقلنا جميعا لمتابعتها هناك.

أكثر ما أثار الاهتمام هذه المرة هو ما أخبرتنا به عن كون هذه القصة قصة حقيقية لإحدى عضوات المنتدى، وهي موجودة معنا وكانت تتابع القصة مثلنا، مع تحذيرات مشددة بأن لا تفصح عن شيء قد يحرق الأحداث علينا!

ولولا تأكيد مرام الحياة بأن القصة مقتبسة من وقائع حقيقية، لما صدقت منها حرفا واحدا! كان الأمر أشبه بالخيال بل هو أغرب، وكما يقول احمد خالد توفيق رحمه الله:


“إن الحياة نفسها أكثر جرأة وأجمح خيالاً من الفنان.. في الطبيعة يمكن أن يسقط نيزك من الفضاء الخارجي ليقتل الشرير، بينما لا يمكن أن يكتب الأديب ذلك وهو بكامل قواه العقلية.”

أحمد خالد توفيق

استغرق العمل على تلك الرواية عامين (2008- 2010) حيث كانت مرام الحياة تنشر أجزاءها أولا بأول، حتى إذا ما أنهتها؛ أخبرتنا برغبتها في طباعتها ونشرها، وبالطبع قمنا بتشجيعها على هذه الخطوة، وتحمسنا للحصول على نسخ منها رغم صعوبة ذلك، إذ أن النسخ لم تكن متوفرة خارج بلد الكاتبة “تونس”!

ربما بدا الأمر في البداية لمؤلفة جديدة على السوق؛ أشبه باختراق المجهول، ولكنني- وهنا سأتحدث عن شعوري بشكل خاص- كنت واثقة من أن مرام الحياة ستحقق نجاحا فريدا من نوعه بإذن الله، بل إنني كنت أدعو لها من أعماق قلبي في مواطن الاجابة الزمانية او المكانية، لا سيما كلما اتيحت لي فرصة اداء العمرة أمام الكعبة! وكنت ارسل لها بذلك خاصة وأنها كانت تطلب منا الدعاء.

ربما لم تكن تلك الفترة حرجة على مرام الحياة وحدها، بل كانت كذلك لكل من يشاركها الهدف والطموح، فنجاحها نجاح الجميع!

واليوم.. ونحن نرى كيف اخترق اسم الدكتورة خولة عالم الادب والروايات، وكسرت حاجز المليون متابع- ما شاء الله لا قوة إلا بالله- أشعر وكأنني أمام دعوة استجيبت، وحلم قد تحقق بفضل الله!

ومن هذا المنطلق، يسعدني اجراء هذا اللقاء مع الدكتورة خولة حمدي (مرام الحياة) على نبراس المانجاكا، فهي وإن كانت قد اشتهرت في عالم الرواية، ولكن من معرفتي بها فإنني أدرك أنها مهتمة بمجال الرسوم المتحركة أيضا، ولا زلت أذكر ذلك الاقتباس الذي نشرته ذات مرة- خلال نشرها روايتها بالمنتدى- من شارة عهد الاصدقاء:

“وتهدينا الحياة اضواءً من آخر النفق
تدعونا كي ننسى ألماً عشناه.”

عهد الأصدقاء – مركز الزهرة

وقد يكون هذا هو أحد اسرار الرابط العجيب الذي تحدثت عنه سابقا، والذي تجلى بوضوح برغبتها بتقديم شيء لفئة المراهقين.


د. خولة اقتبست ذات مرة من شارة عهد الاصدقاء.

عهد الاصدقاء هي رسوم متحركة مدبلجة أصلها ياباني (أنمي)

والكثير من الأنمي أصله قصص مرسومة بالطريقة اليابانية (مانجا)

والمانجا يصنعها الـ (مانجاكا)

ونحن هنا نطمح أن نكون نبراسا للمانجاكا


المقابلة

بداية دعونا نرحب بالدكتورة الفاضلة، لنطرح عليها أولى أسئلتنا:

السؤال الأول: من خلال اطلاعك على موقع نبراس المانجاكا، ربما لاحظت أن مجال “المانجا” لا يزال جديدا في السوق العربية، وقد تبدو الطريق أمامنا لازالت طويلة، مما قد يصيب البعض بالاحباط، رغم أن لدينا أهدافا عظيمة نسعى لتحقيقها بإذن الله، وهي -من خلال معرفتي بك- قد تشبه اهدافك في نشر الفكر الراقي المؤثر؛ لذا من خلال بداياتك مع دخول السوق العربية. ما هي النصيحة التي تحبين اسدائها لنا، ويا حبذا لو تحدثينا عن تجربتك الاولى مع النشر، ومشاعرك وانت تخشين مواجهة تكدس الروايات امامك في حال عدم الاقبال عليها من الجمهور، وكيف تعاملت مع ذلك؟

بداية، شكرا لنبراس المانجاكا على الدعوة اللطيفة، وأتمنى لكم نجاحًا مضاعفًا وتألقًا مستمرّا. تجربتي الأولى مع النشر كانت منذ عقد تمامًا، في صائفة ٢٠١٢، وقد خضتها دون سابق خبرة أو وافر معرفة بميدان النشر.

اهتممت بتنسيق الكتاب وتصميم الغلاف والتواصل المباشر مع المطابع ثمّ التّسويق، بمساعدة من أفراد عائلتي. ثمّ تكدّست الكتب في صالة منزل والدي في انتظار أن تجد حظّها في الانتقال إلى أيدي القرّاء. وقد كانت رحلة طويلة للتخلّص من النّسخ الألف، دامت زهاء السّنوات الثلاث! ولا زلت إلى اليوم أحتفظ ببعض النّسخ من تلك الطّبعة التونسية اليتيمة.

خلال تلك الفترة، أيقنت أنّ المجهود الفرديّ محدود ونتاجه قليل. لذلك، فقد اتّجهت إلى دور النّشر المصريّة على أمل أن أجد من بينها من يؤمن بقلمي ويمنحني فرصة. وقد وجدت ضالتي في دار كيان للنشر، وهي دار نشر شابة لم تكمل عامها الأوّل في ذلك الوقت، وقد عرفنا قصّة نجاح معًا، ما زالت مستمرّة إلى اليوم.

والجدير بالذّكر هو أنني لم أتجه إلى دور النشر الكبيرة والمعروفة، لأنّني كنت أدرك أنّ كاتبة شابة تنشر لأوّل مرّة لن تحدث أثرًا ولن تشكّل فرقًا في خضم الأسماء اللّامعة والعريقة التي تتزاحم على رفوفها. وكانت مراهنتي على كيان في محلّها ولله الحمد.

فإن كانت هناك نصيحة أوجّهها لكلّ من يجرّب النّشر لأوّل مرّة، هي البحث عن شريك نجاح يؤمن بقلمك وفكرك، ولا يعتبرك مجرّد رقم إضافيّ. فهذا وحده كفيل بصنع الفرق.

السؤال الثاني: عندما قمت بتغيير عنوان رواية “رحلة الألف ميل” إلى “في قلبي أنثى عبرية” عندما قدمتيها للنشر أول مرة؛ اذكر انك رددتَ على منتقديك بعدها بقولك:

“أجل أقولها بكل وضوح ودون خجل، كان العنوان تجاري بحت مع سبق الاصرار والترصد، فما الذي سيدفع قارئ لشراء رواية لكاتبة غير معروفة للجمهور!”

ردك هذا أعجبني جدا وقتها- ما شاء الله- وأرجو أنني نقلته بطريقة صحيحة بعد أن علق بذهني، فهو ينم عن شخصية جريئة قوية واثقة من نفسها، وتعرف تماما ما الذي تريده -ما شاء الله- وهذه من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها “المؤلف/ الرسام/ المانجاكا”، خاصة وان إرضاء الناس غاية لا تدرك، لذلك من واقع تجربتك (ويا حبذا لو تتحفينا بشذرات من ذلك)؛

ما هي نصيحتك للتعامل مع النقد اللاذع، وكيف يمكن للمبدع الاستفادة من ذلك النقد مهما كان، دون أن يؤثر سلبا عليه؟

نعم، إنّ اختيار عنوان الكتاب الأوّل عمليّة دقيقة وفي غاية الأهميّة، فالقارئ يختار اقتناء كتاب لسبب من اثنين: اسم الكاتب أوالعنوان. وحين يكون الكاتب مجهولا، فإنّ العنوان يجب أن ينجح في جعل القارئ يمسك الكتاب ويتصفحه.

العنوان الصّادم وغير التقليدي يجعل القارئ يفكّر ويتساءل وربّما يغلبه الفضول فيشتري الكتاب. لذلك، فقد كان الهدف الأول أن أجعل القارئ يشعر بالفضول تجاه الرّواية. وقد كانت ردود الفعل متباينة في الفترة الأولى، ممّا اضطرني إلى كثير من الشروحات والتوضيحات. البعض هاجم الكتاب واتّهمه بالتشجيع على التطبيع وتلميع صورة اليهود، فيما وجد البعض الآخر أنّه يزدري الأديان الأخرى لصالح الإسلام!

خلال السّنوات الأولى من تجربة النّشر – نعم سنوات، لقد تطلب الأمر بعض الوقت لاكتساب مناعة قويّة – كانت رسائل القرّاء ومراجعاتهم للرواية تؤثّر بي كثيرًا. هناك تعليقات أذكرها إلى اليوم، وقد سبّبت لي الأرق في ذلك الوقت. النّقد اللاذع مازال يؤلمني – فأنا بشر في نهاية الأمر – ويؤثّر بمزاجي، لكنّني تعلّمت أن أنتقي منه ما يفيدني في المستقبل وأتجاهل تصفية الحسابات الشخصية والملاحظات النّابعة عن اختلاف إيديولوجي بيّن.

يؤسفني ألا تصل الرّسالة المبتغاة إلى القارئ، لكنّني لم أعد أتصدّى للدّفاع والشّرح كما كنت أفعل في البدايات. أحيانًا أشارك مع القراء كواليس الكتابة وأقص نوادر تتعلّق بالشخصّيات والحبكة. لكنّني غالبًا أؤمن بانتهاء مهمّة الكاتب حين يضع العمل بين يدي القارئ، وهو منذ ذلك الحين متفرّج، ليس بوسعه تقديم إضافات وتفسيرات، لأنّ الرواية أو الكتاب يجب أن تكون كافية بذاتها، ولو لم تكن فهو خلل وتقصير من الكاتب وجب تلافيه في الأعمال المستقبلية.

السؤال الثالث: من المعروف لدى المانجاكا أن هناك تصنيفات مختلفة للمانجا، وهي تتناول فئات مختلفة من المجتمع، فهناك مثلا تصنيف “الشونين” وهو للفتيان المراهقين، وهناك “الشوجو” وهو يناسب الفتيات المراهقات، وهناك “السينين” للبالغين، الخ،

ومن الأمور التي ناقشناها كثيرا مع المانجاكا العرب، هو موضوع التأليف لأعمال مانجا تناسب مختلف الفئات بما في ذلك الأطفال حتى وإن كان الأغلبية يترفعون عن ذلك، رغم أن صناعة أعمال تستهدف الأطفال أيضا قد يكون الأكبر تأثيرا في المجتمع على المدى البعيد.

من هذا المنطلق ما هي نظرتك لهذا الأمر؟ وهل لك أن تحدثينا عن بداياتك في عالم الكتابة، وكيف تطورت نظرتك لهذا الفن منذ أن كنت صغيرة وحتى أصبحتِ أمّا؟ وما هو شعور أولادك وهم يتابعون اخبار أعمال والدتهم، لا سيما ابنتك الكبرى “مرام” حفظها الله، والتي أهديتها اللقب الذي كنت تعتزين به سابقا؟

وكيف كنت تنظمين وقتك بين العمل والكتابة ورعاية الاطفال والمنزل؟ وما هي النصيحة التي تقدمينها لمن اصبحت أمّا وتجد صعوبة في الموازنة بين مسؤلياتها في المنزل ومتابعة عملها في صناعة المانجا، من منطلق شعورها بأهمية ذلك لمستقبل أطفالها الفكري والجيل بأكمله؟ وما هي الأعمال والقنوات التي يتابعها اطفالك وتستهويهم؟

الكتابة إلى الأطفال فنّ يختلف عن فنّ كتابة الروايات الخاصّة بالبالغين.

الكتابات الخاصّة بالناشئة غالبًا ما تتّسم بالمباشرة وتقديم عبرة وموعظة يسهل الوصول إليها وفهمها لتؤدّي الغرض منها، بينما يغلب على كتابات البالغين أن تقدّم فكرًا أعمق ورؤية فلسفيّة في أحايين كثيرًا، مع حبكة ذكيّة وتجنّب الخطاب المباشر واحترام عقل القارئ ونضجه.

وكثيرًا ما يسألني الآباء إن كانت رواياتي مناسبة للأطفال في سنّ الثانية عشر مثلا، فأجد صعوبة في الردّ. بعضها لا يصلح للسنّ الصّغيرة بشكل قاطع، مثل “أرني أنظر إليك” لأنّها فلسفسية بدرجة كبيرة وتناقش موضوع الإلحاد.

بينما فوجئت بأنّ ابنة صديقتي ذات السّنوات الثمانية تقرأ بشغف ثنائية الياسمين! فالأمر يختلف من طفل إلى آخر، ويعتمد على مدى نضجه واهتمامه وتدرّج تجربته في القراءة.

حين كنت طفلة، أذكر أنّني كنت أقرأ كلّ شيء يقع بين يديّ، بما في ذلك الكتب “الممنوعة” التي يحاول الكبار إخفاءها عنّا، فإنّني أجد لذّة في التسلل والقراءة فيها رغم أنّني لا أفهم كلّ شيء.

بالنسبة إلى بناتي ذوات الإحدى عشرة والثماني سنوات، فإنّني أحرص على أن أضع بين أيديهما ما يناسب سنّهما من القصص والحكايات، وأن أحافظ على شغفهما بالقراءة وتنمية قدراتهما اللّغوية والفكرية قبل المرور إلى المراحل المتقدّمة.

بالنّسبة إلى تنظيم الوقت، فهي مهمّة عسيرة. الأولويّة تبقى لأطفالي وبيتي، وعملي في الجامعة، وتأتي الكتابة كهواية أمارسها حين يسمح الوقت. أستغلّ الإجازات لإنجاز قدر لا بأس به، بينما أنقطع لشهور مع العودة المدرسيّة وفي فترات الاختبارات. من الصّعب الحفاظ على وتيرة واحدة وتخصيص نصاب يوميّ للكتابة، بالنّسبة إلى أمّ عاملة.

نصيحتي لكلّ أمّ تحاول أن توازن بين طموحاتها وواجباتها العائليّة هي ألا تكلّف نفسها ما لا تطيق، وأن تحسن ترتيب أولويّاتها. فما فائدة الأعمال النبيلة والتضحيات الجسام إذا أدّت إلى تقصير في واجباتها الأساسيّة؟

السؤال الرابع: معظم المانجاكا العرب- كغيرهم من الادباء والفنانين- يتوقون للحظة التي يصلون فيها للشهرة، وأنت الآن وقد حققتِ شهرة معتبرة على أرض الواقع وعلى مستوى الوطن العربي ما شاء الله (خاصة من خلال روايتك: “في قلبي انثى عبرية” والتي توجت ضمن الروايات الاكثر مبيعا أو اكثرها مبيعا في معارض الكتب، ما شاء الله)؛

ما هو شعورك وانت تتذكرين بدايات ذلك عندما كنت تنشرين في المنتدى عبر النت؟ وما هي الكلمة التي توجهينها لجميع الشباب الصاعدين (ذكورا واناثا)، لا سيما وأننا في مجموعة نقابة المانجاكا العرب نكاد نشبه التجمع القديم الذي جمعني بك وبعدد من الأخوات من مختلف الدول العربية في “الروضة الابداعية”؟

فترة النشر على المنتدى تبقى من أفضل الذكريات في المسيرة الأدبيّة، حيث التّواصل المباشر مع القراء ومراقبة ردود الفعل عن كثب، والحماس المتصاعد مع الفصول المنشورة أسبوعيا.. وهذه أجواء أفتقدها كثيرا منذ شروعي في النشر الاحترافي. مؤخّرا، شرعت في الكتابة من خلال مجموعات أدبية مغلقة لاسترجاع شيء من زخم تجربة المنتدى.

المرور عبر تجربة النشر الالكتروني ما تزال في نظري هامة لكل مبدع شاب مبتدئ. رغم ذلك، فهناك نوع من المحاباة في الوسط، وأيضا اختلاف وتباين في الذائقة والمعايير الفكريّة والأدبيّة، لذلك وللأسف الشديد نجد جمهورًا يلتفّ حول القدرات الضحلة كما يلتفّ حول المواهب الحقّة.

فيجب على المبدع الشابّ ألا يغترّ للتّصفيق، وليحافظ على معاييره الشخصيّة حتى لا ينجرف خلف “ما يطلبه الجمهور”، ولا يعتبر نجاحه المرحليّ إنجازًا، وتصفيق النّاس تتويجًا، فهم يحتفون بالغثّ والسّمين، ويستمع إلى النّقد البنّاء، ولتكن مرآته الذّاتيّة ومبادئه أوّل مرجعيّاته.

السؤال الخامس: نحن فعليا نسعى لاحتضان المواهب الشابة المهتمة بمجال المانجا في العالم العربي، ونطمح لأن نكون جهة داعمة مساندة لهم، توجههم وتأخذ بيدهم، للنهوض بهذا الفن بكل رقي فكري مع مواكبة الأسلوب الذي يستهوي الشباب، دون الانسلاخ من ثقافتنا وقيمنا، بحيث نكون قادرين على المنافسة عالميا بإذن الله، وذلك من خلال محاكاة أشهر المجلات اليابانية (مثل شونين جامب) والتي كانت مصدرا لأشهر الأنميات (الرسوم المتحركة) المدبلجة، والتي نشأنا على متابعتها في طفولتنا، ولا زالت تستهوي الأطفال والشباب على حد سواء، ومهرجانات الأنمي التي انطلقت مؤخرا في العالم العربي دليل على ذلك.

وبالطبع – وسأختم بهذا – رحلة الالف ميل تبدأ بخطوة. ونحن بفضل الله قطعنا خطوات حثيثة في هذا الدرب، حتى وإن لم يظهر أثرها بوضوح بعد، ولكن ثقتنا بالله أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، ونسأل الله العون والتوفيق، ومع ذلك لا بد لنا من الأخذ بالأسباب، وطرق الأبواب، وما زلنا نبذل الجهد بأقصى ما نملك، فالطريق أمامنا طويلة، ومتطلباتها كثيرة، لا سيما وأن تكاليف التسويق والترويج والاعلان ليست بالامر اليسير.

فهل من توجيهات يمكنك أن تقدميها لنا، قد تساعدنا في المضي قدما، بإذن الله؟ وما هو رأيك بنبراس المانجاكا؟ وهل لديك كلمة ترغبين بتوجيهها لنا بشكل عام، أو أي إضافة من أي نوع؟

كان الله عونًا لكم على هذه المساعي الطيّبة ويسّر تكليل جهودكم بالنّجاح والتميّز، وعسى أن يكون بيننا تعاون في المستقبل. فلا أخفي عليك أنّ مشروع تحويل رواياتي إلى مانجا يداعب خيالي منذ فترة، لكنّني لم أنتقل إلى التنفيذ بعد، عسى أن يكون ذلك قريبًا.

أدرك أنّ هذا المجال غير مستغل بما فيه الكفاية في العالم العربي، وربّما جمهوره محدود، وبطبيعة الحال هو مكلف جدا. أحيي سعيكم، ولا أبالغ إذا قلت أنّكم على ثغر، فالمانجا الأجنبية تكتسح الشبكة ومن اليسير الوصول إلى نسخ إلكترونية مجانية منها، بكل ما تحمله من قيم دخيلة على مجتمعاتنا وأفكار مضللة لها تأثير على عقول النّاشئة. لذلك من المهمّ إبقاء الأهداف الواضحة نصب العيون والمضيّ بخطى ثابتة، وإن شاء الله يكون النجاح حليفكم.

في الختام لا يسعنا إلا أن نشكر الدكتورة خولة حمدي على قبولها الاستضافة، معتذرين لها عن الاطالة، (رغم انها خمس اسئلة فقط ^^) ولكن فرصة كهذه من الصعب تفويتها دون استثمار.

سائلين الله سبحانه وتعالى أن يجزيها عنا خير الجزاء، ويبارك فيها وفي جهودها، ويوفقنا جميعا لما يحب ويرضى.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.